قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .
وقد ذهبت المعتزلة إلى وجوب شكر المنعم عقلا (1) والغرض من عقد هذا الفصل ذكر شبههم والتقصى عنها.
قالوا: العاقل إذا تدبر لم أن يكون له منعم يريرد شكره على النعم ولو شكره لأثابه ولو لم يشكره لعاقبه فإذا عرض له هذان الخاطران فلا بد وأن يقضى عقله فإذا يضطر إلى العلم بوجوب الشكر عقلا (2) .
والجواب أن نقول: ما قولكم في العاقل المنهمك في الشهوات الذي لا يخطر بباله هذه الخواطر في مدة عمره أصلا؟ كيف يتوصل إلى إدراك وجوب الشكر؟ (3) إذ ليس كل إنسان تعرض له هذه الخواطر كيف لا نقول ذلك؟ وهذه الخواطر من فعل الله تعالى لأنه شك والشك الذي يضاد معرفة الله تعالى قبيح والله لا يفعل القبيح (4) فلا بد وأن يكون وقوعها بقدرة العبد وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون ملجأ إليها لا سيما على أصلهم (5) فإن عندهم: من حكم القادر أن يكون مخيرا
(1) انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 77 - 78.
(2) قارن الإرشاد لإمام الحرمين: 270.
(3) ويعقب إمام الحرمين على هذا الرد بقوله:"وهذا عظيم موقعه على الخصوم"قارن الإرشاد لإمام الحرمين: 268 والاقتصاد للغزالي: 93.
(4) هذا على رأي المعتزلة القائلين بنسبة الأفعال القبيحة إلى العبد اختيارا لا إلى الله تعالى وقد قدمنا الكلام في تلك المسألة قارن الإرشاد: 270.
(5) يقصد المعتزلة.