2645- (م ت س) شفي بن ماتع الأصبحي - رحمه الله -: « أَنه دخل المدينةَ، فَإِذا هو برجل قد اجتمع عليه الناسُ ، فقال: من هذا ؟ فقالوا: أَبو هريرة ، فَدَنوتُ منه ، حتى قعدت بين يديه ، وهُوَ يُحَدِّثُ الناسَ ، فَلَمَا سكتَ وخلا، قلتُ له: أَسأَلُكَ بحَقِّ وَحَقِّ ،لمَا حَدَّثتَني حديثا سمعتَه من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عَقَلْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فقال أَبو هريرة: أَفْعَلُ ، لأُحَدِّثَنَّكَ حديثا حدَّثَنيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ، عَقَلْتُهُ وعَلِمْتُهُ ، ثُمَّ نَشَغَ أَبو هريرةَ نَشْغَة ، فمكثْنا قليلا ، ثم أفاق، فقَالَ: لأُحَدِّثَنَّكَ حَديثا حَدَّثنيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا البيت ، ما معنا أَحدٌ غيري وغيرُه، ثمَّ نَشَغَ أبو هريرة نَشْغَة أخرى ، ثُمَّ أَفَاقَ ومَسَحَ [عن] وَجْهِهِ، وقال: أَفعلُ ، لأُحَدِّثَنَّكَ حديثا حدَّثنيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ، أَنَا وهوَ في هذا البيتِ ، مَا مَعنا أَحَدٌ غَيري وغَيرَهُ ، ثمَّ نشغ أبو هُريرةَ نَشْغَة شديدة، ثُمَّ مَالَ خَارّا على وجهه ، فَأسْنَدتُهُ طَويلا، ثُمَّ أفَاقَ: فقال: حدَّثني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: أَن اللهَ إِذَا كانَ يومُ القِيامَةِ يَنزِلُ إِلى العِبَادِ ليَقْضِيَ بَينَهُم، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ ، فَأوَّلُ مَن يَدعُو به رجلٌ جَمَعَ القُرآنَ ، ورجُلٌ قُتِلَ في سبيل الله، ورجلٌ كثيرُ المالِ ، فيقولُ اللهُ للقارئ: أَلم أُعَلِّمْكَ مَا أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى ، يا ربِّ ، قال: فما [ذا] عملتَ فيما علمتَ ؟ قال: كنتُ أَقومُ به آناءَ الليل وآناءَ النهار، فيقولُ اللهُ لهُ: كَذَبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ ، ويقولُ اللهُ لَهُ: بَل أَرَدْت أَن يُقَالَ: فُلانٌ قَارئ ، وَقَدْ قِيلَ ذَلِك. ويُؤْتَى بِصَاحِبِ المالِ فيقولُ اللهُ: أَلم أُوَسِّعْ عليك ، حتَّى لَم أَدَعْكَ
تحتاجُ إِلى أَحَدٍ ؟ قالَ: بَلى ، يا ربِّ ، قالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فيمَا آتَيتُكَ ؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمِ ، وَأَتَصَدَّق، فيقولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ ، وتَقُولُ لَهُ الملائِكَةُ: كَذبتَ ، ويقولُ اللهُ: بَل أَردت أَن يُقالَ: فلانٌ جَوادٌ ، فقيل ذلك . ثم يُؤتى بالذي قُتِلَ في سبيلِ الله ، فيقول اللهُ: فيماذا قُتِلتَ ؟ فيقولُ: أَمرتَ بالجهاد في سبيلِكَ ، فقاتلتُ حتَّى قُتِلتُ ، فيقولُ الله لَهُ: كَذَبتَ ، وتقول له الملائكةُ: كَذَبْتَ ، ويقولُ اللهُ: بَل أردتَ أَن يُقَالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ ، فقد قِيلَ ذلك، ثم ضَربَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على رُكْبتي ، فقال: يا أَبا هُريرة ، أُولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة».
قال الوليد أبو عثمان المدائني: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شُفَيّا هو الذي دخل على معاوية فأَخبره بهذا .
قال أَبو عثمان: وحدَّثني العلاء بن أَبي حكيم: « أنَّهُ كان سَيَّافا لِمُعاويةَ ، فدخل عليه رجل ، فأخبَرهُ بِهذَا عن أبي هريرة ، فقالَ معاويةُ: قد فُعِلَ بهؤلاءِ هكذا، فَكَيفَ بِمَن بقي من النَّاسِ ؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديدا ، حتى ظَنَنا أَنَّهُ هَالِكٌ ، وقُلنا: قد جاء هذا الرجلُ بِشرٍّ ، ثُمَّ أَفاقَ معاويةُ ، ومسحَ عن وجْهِهِ ، وقال: صدقَ اللهُ ورسولُهُ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنيَا وزِينَتها نُوَفِّ إِليهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ، أُولئِكَ الَّذينَ لَيْسَ لَهُم في الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ} [هود: 14 ، 15] . أَخرجه الترمذي.
وذكر رزين رواية أتَمَّ من هذه بتقديم وتأخير، وزاد في آخِرها: ثم تَعَوَّذَ بالله من النار ، وتلا: {أَنَّمَا إِلهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ ، فَمَنْ كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَملا صَالِحا ، وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} [الكهف: 111] » .
وفي رواية مسلم ، والنسائي ، عن سليمان بن يَسار: قال: تَفَرَّقَ الناسُ عن أبي هريرة ، فقال [له] ناتِلٌ أَخو أَهل الشام: أيُّها الشيخُ حَدِّثني حديثا سمعتَه من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فقال: نعم ، سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: « إِنَّ أولَ النَّاسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه: رجلٌ استُشْهِدَ ، فأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ ، فعرفها ، قال: فما عملتَ فيها ؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشْهِدتُ ، فقال: كذبتَ ، ولكنكَ قاتلتَ لأن يقالَ: جَرِيءٌ ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وَجْهِهِ، حتى أُلقيَ في النَّارِ . ورجلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ ، وقرأَ القرآن ، فَأُتيَ به، فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعرفَهَا ، قال: فما عملتَ فيها ؟ قال: تَعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ ، وقرأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذبتَ ، ولكنكَ تعلَّمْتَ [العلم] ليقال: عالمٌ ، وقرأتَ [القرآن] ليقال: [هو] قارئ ، فقد قيل ، ثُمَّ أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقيَ في النَّارِ ، ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه، وأَعطَاهُ من أَصنافِ المال [كُلِّهِ] ، فأُتيَ بِهِ فعرَّفهَ نِعَمه ، فعرفها ، قال: فما عَمِلْت فيها؟ قال: ما تَركتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنفَق فيها [إِلا أَنفقتُ فيها] لك ، قال: كذبتَ ، ولكنكَ فعلت ليُقَال: هو جَوادٌ ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه ثم أُلقيَ في النَّارِ» .