فهرس الكتاب

الصفحة 7919 من 9523

7819- (خ) عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: من حديث أيوبَ بن أبي تميمة السَّختياني ، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير ، قال: قال ابن عباس: « أولُ ما اتخذَ النِّساءُ المِنْطَق: من قِبَلِ أم إِسماعيل ، اتخذت مِنْطَقا - قال الأنصاريُّ عن ابن جريج قال: أمَّا كثير بن كثير: فحدَّثني ، قال: إِني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدَّثني ابنُ عباس، ولكنَّه، قال: أقبل إِبراهيم بإِسماعيل وأمِّه وهي ترضعه ، معها شَنَّة » . لم يرفعه ، ولم يزد الأنصاري على هذا.

قال الحميديُّ في أول هذا الحديث عند البرقانيِّ: من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب ، وكثير ، ولم يذكر البخاري « أن سعيد بن جبير ، قال: سلوني يا معشر الشباب ، فإِني قد أَوَشَكْتُ أن أذهبَ [من] بين أظهركم ، فأكثر الناس مسألتَه ، فقال له رجل: أَصلحكَ الله ، أَرأَيتَ هذا المقام ، أَهُوَ كما [كنَّا] نتحدث ؟.

قال: وما كنت تتحدّث؟.

قال: كنا نقول: إِن إِبراهيم عليه السلام حين جاء عَرضت عليه امرأةُ إِسماعيل النزولَ ، فأَبَى أن ينزلَ ، فجاءت بهذا الحجَر ، فقال: ليس كذلك ».

من هاهنا ذكر البخاري عن أيوب، وكثير عن سعيد بن جبير ، قال ابن عباس: « أول ما اتخذتِ النِّساءُ المِنْطَق: من قِبَل أُمِّ إِسماعيل ، اتخذت مِنْطَقا لِتُعفّي أثرها على سارَة ، ثم جاء بها إِبراهيم وبابنها إِسماعيل ، وهِيَ تُرضعه حتى وضعها عند البيت ، عند دَوحَة فوق زمزمَ في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أَحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هناك ، ووضع عندهما جِرابا فيه تمر ، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إِبراهيم مُنْطلقا ، فتَبعَته أمُّ إِسماعيل ، فقالت: يا إِبراهيم ، أين تذهبُ وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ، ولا شيء ؟ ، فقالت له ذلك مِرَارا ، وجعل لا يلتفت إِليها ، فقالت له: الله أمركَ بهذا ؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يُضيِّعنا. ثم رجعتْ ، فانطلق إِبراهيم عليه السلام ، حتى إِذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه - استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاءِ الدعواتِ ، فرفع يديه ، فقال: {رَبَّنا إِنِّي أسكنتُ من ذُرِّيَّتي بواد غيرَ ذي زرع} - حتى بلغ -: {يشكرون} [إِبراهيم: 37] ، وجَعَلَتْ أُمُّ إِسماعيل تُرْضِعُ إِسماعيل، وتشربُ من ذلك الماء، حتى إِذا نَفِد ما في السقاء عَطِشَتْ ، وَعَطِش ابنُها، وجعلتْ تنظر إِليه يتلَوَّى - أو قال: يتلبَّط - فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إِليه ، فوجدتِ الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلتِ الواديَ تنظر هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ، فهبطتْ من الصفا ، حتى إِذا بلغت الوادي رَفَعَتْ طرَف دِرْعها ، ثم سَعَتْ سعيَ الإِنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتتِ المروَةَ ، فقامت عليها ، فنظرت ، هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات - قال ابن عباس: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: فلذلك سَعَى الناس بينهما - فلما أشرفَتْ على المروة سمعتْ صوتا ، فقالت: صَه - تريد نفسها - ثم تسمَّعت فسمعت أيضا ، فقالت: قد أسمعتَ إِن كان عندكَ غُواث ، فإذا

هي بالمَلَكِ عند موضِع زمزم ، فبحث بعقَبِه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماءُ، تُحوِّضه، وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تَغْرِفُ من الماء في سقائها، وهو يفورُ بعدما تغرف - وفي رواية: بقدر ما تغرف - ».

قال ابن عباس: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: « يَرْحَمُ الله أمَّ إِسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرِفْ من الماء - لكانت زمزمُ عينا مَعِينا ، قال: فشربتْ وأرضعتْ ولدها، فقال لها المَلك: لا تخافوا الضيعةَ ، فإن هاهنا بيتا لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يُضِيع [أهله] ، وكان البيتُ مرتفعا من الأرض كالرَّابية، تأتيه السيول ، فتأُخذ عن يمينه ، وعن شماله ، فكانت كذلك ، حتى مرَّتْ بهم رُفقةُ من جُرْهُم - أو أهلُ بيت من جرهم - مُقْبِلين من طريق كَدَاء ، فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا: إِنَّ هذا الطائر لَيَدُورُ على ماء ، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جَريَّا أو جَرِيَّيْنِ ، فإِذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم ، فأقبلوا - وأُمُّ إِسماعيل عند الماء - فقالوا: أَتَأْذنين لنا أن ننزلَ عندَكِ ؟ قالت: نعم ، ولكن لاحقَّ لكم في الماء ، قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: فألفَى ذلك أمَّ إِسماعيل وهي تُحب الأُنْس ، فنزلوا فأَرسلوا إِلى أهليهم ، فنزلوا معهم ، حتى إِذا كان بها أهلُ أبيات منهم ، وشَبَّ الغلام - وتعلم العربية منهم ، وأنفسَهَم وأعجبهم حين شَبَّ - فلما أدركَ زوَّجوه امرأَة منهم ، وماتت أُمُّ إِسماعيل، فجاء إِبراهيم ، بعدما تزوج إِسماعيل، يطالع تَركته ، فلم يجد إِسماعيل ، فسأل امرأتَه عنه ؟ فقالت: خرج يبتغي لنا - وفي رواية: ذَهَبَ يصيد - ثم سألها عن عَيْشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرّ ، نحن في ضِيق وشِدَّة ، وشكتْ إِليه. قال: فإِذا جاء زوجُكِ فاقْرَئي عليه السلامَ ، وقولي له: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بابه.

فلما جاء إِسماعيل كأنه آنَس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد ؟ قالت: نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنكَ، فأخبرتُهُ ، فسألني: كيف عيشُنا ؟ فأخبرتُه: أَنَّا في جَهد وشدة ، قال: فهل أوصاكِ بشيء ؟ قالت: نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول لك: غَيِّر عَتَبَةَ بَابِكَ ، قال: ذاكَ أبي ، وقد أمرني أن أُفارِقَكِ ، الحَقي بأهلِكِ. فطلَّقها، وتزوَّجَ منهم أخرى.

فلبثَ عنهم إِبراهيمُ ما شاء الله أن يلبثَ ، ثم أتاهم بعدُ ، فلم يجده ، فدخل على امرأته ، فسأل عنه ؟ قالت: خَرَج يبتغي لنا ، قال: كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعَة ، وأثنتْ على الله عز وجل ، فقال: ما طعامُكم ؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم ؟ قالت: الماءُ، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ولم يكن لهم يومئذ حَبّ ، ولو كان لهم دعا لهم فيه ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إِلا لم يوافقاه.

وفي رواية: فجاء فقال: أين إِسماعيل ؟ فقالت امرأتُه: ذهب يصيد، فقالتْ امرأته: أَلا تنزل فتَطْعَمَ وتَشرَبَ ؟ قال: فما طعامكم ، وما شرابكم ؟ قالت: طَعامُنا اللحم، وشرابنا الماء ، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم ، قال: فقال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: بركة دعوة إِبراهيم - رجع إِلى ما في الإِسناد الأول (1) - قال: فإِذا جاء زوجُكِ فاقْرئي عليه السلام ، ومُرِيه يُثْبِتْ عَتَبَةَ بابه ، فلما جاء إِسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد ؟ قالت: نعم ، أتانا شيخ حَسَن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنكَ ؟ فأخبرتُه، فسألني ، كيف عيشنا ؟ فأخبرته أَنَّا بخير ، قال: فأَوصَاكِ بشيء ؟ قالتْ: نعم ، يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تُثبتَ عتبة بابك ، قال: ذاكَ أبي ، وأنتِ العتبةُ، أَمَرني أن أُمْسِكَكِ.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ،ثم جاء بعد ذلك وإِسماعيل يَبرِي نَبْلا له تحت دَوحة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إِليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إِسماعيل ، إِن الله أَمَرَني بأمْر ، قال: فاصنع ما أمرك رَبُّك ، قال: وتُعينُني؟ قال: وأُعينُك، قال: فإِن الله أمرني أن أبنيَ بيتا هاهنا - وأشار إِلى أَكَمَة مرتفعة على ما حَولها - فعِنْدَ ذلك رَفَعَ القواعدَ مِن البيت ، فجعل إِسماعيل يأْتي بالحجارة ، وإِبراهيم يبني ، حتى إِذا ارتفع البناءُ جاء إِبراهيم بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني، وإِسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليمُ} [آل عمران: 72] قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت ، وهما يقولان: {رَبَّنا تقبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليم} ». وفي رواية: عن إِبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: لما كان من أمر إِبراهيم ومن أهله ما كان: خرج بإِسماعيل ، وأم إِسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء ، فجعلتْ أُمُّ إِسماعيل تشرب من الشَّنَّةِ ، فيَدِرّ لبنها على صَبِيِّها ، حتى قَدِمَ مكة ، فوضعها تحت دوحة،ثم رجع إِبراهيم إِلى أهله،فاتَبَعَتْه أم إِسماعيل،حتى لما بلغوا كَدَاءَ، نادته من ورائه:يا إِبراهيم ، إِلى مَنْ تتركنا؟ قال: إِلى الله ، قالت: رَضِيتُ بالله.

قال: فرجعتْ ، فجعلتْ تشربُ من الشَّنَّة ، ويَدِرّ لبنها على صَبيِّها ، حتى لما فَنَى الماءُ، قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ، لعلي أُحِسُّ أحدا، قال: فذهبتْ ، فَصَعَدَتِ الصَّفا ، فنظرتْ ونظرتْ هل تُحِسُّ أحدا ؟ فلم تُحِسَّ [أحدا] ، فلما بَلغتِ الواديَ سَعَتْ ، وأتتْ المروةَ ، وفعلتْ ذلك أَشْواطا ، ثم قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما يفعل الصبيُّ؟ فذهبتْ ، فنظرتْ ، فإِذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت ، فلم تُقِرَّها نفسُها ، فقالت: لو ذهبت ، فنظرتُ ، لعلي أُحِسُّ أحدا ؟ فذهَبَتْ ، فَصَعِدَت الصفا ، فنظرتْ ونظرتْ ، فلم تحسَّ أحدا، حتى أتَمَّتْ سبعا.

ثم قالت: لو ذَهبتُ فنظرتُ ما فعل ؟ فإِذا هي بصوت ، فقالت: أَغِثْ إِن كان عندك خير ، فإِذا جبريل ، قال: فقال بِعَقِبه هكذا - وغَمَزَ بعقبه على الأرض - فانبثقَ الماءُ ، فَدُهِشَتْ أُم إِسماعيل، فجعلت تَحْفِن - وفي أخرى: تحفِر - ولو تركَتْهُ كان الماء ظاهرا ، وكان عَيْنا مَعِينا... وذكر الحديث بطوله أو قريبا منه ، والأول أتم - إِلى قوله: فوافى إِسماعيلَ من وراءِ زمزم يصلح نَبْلا له ، فقال: يا إِسماعيل، إِن ربك أمرني أن أبني له بيتا ، قال: أطع ربك ، قال: إِنَّهُ قد أمرني أن تعينني عليه ، قال: إِذن افعل - أو كما قال - فقاما، فجعل إِبراهيم يبني ، وإِسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليمُ} حتى ارتفع البناءُ ، وضَعُفَ الشيخُ عن نقل الحجارة ، فقام على حَجَرِ المقام ، فجعل يناوله الحجارة ، ويقولان: {رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العليمُ} .

وأخرج في رواية طرفا منه: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: « يرحم الله أم إِسماعيل، لولا أنها عَجِلَتْ لكان زمزمُ عينا مَعينا » . أخرجه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت