لا يليق بالحكيم، وإن أتى بما يأباه العقل فهو مردود؛ لأن العقل حجة الله تعالى إجماعا، وحججه لا تتناقض، فما يحيله يكون باطلا.
فالحاصل أنهم يقولون: إن العباد مكلفين بالأوامر والنواهي، وأفعالهم منقسمة إلى المحاسن والقبائح، والمحاسن مأمور بها، والقبائح مزجور عنها، لكن العقل كاف في معرفة ذلك لما أنه جبل على الميل إلى المحاسن، والنفور عن القبائح، فلا حاجة إلى إرسال الرسل.
قلنا: يأتي بما قصر العقل عن معرفته؛ لأن الرسالة سفارة العبد بين الله تعالى، وبين ذوي العقول من خليقته ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم من مصالح داريهم؛ وهذا لأن العقل إن وقف على الواجب والممتنع فلا يقف على الممكن، فربما تعلق به عاقبة حميدة وربما نيط به عاقبة ذميمة.