فالممرور يجد العسل مرا، وغيره يجده حلوا، والأحول يرى الشيء شيئين، وغيره يراه واحدا، وما تناقضت قضاياه لا يصلح أن يكون دليلا مثبتا.
ولنا أنهم بإنكارهم العلوم والحقائق مقرون أن لا حقيقة لقولهم، وأنهم لا يعلمون صحة مذهبهم، وبطلان مذهب خصومهم، ومن أقر ببطلان مذهبه كفي خصمه مؤنة جداله (1) ، على أن بقاءه إلى هذه المدة دليل لنا، إذ لو لم يكن عالما بأسباب البقاء فاجتلبها، وبأسباب الفناء فاجتنبها، لما بقي إلى هذه المدة.
فدل بقاءه إلى هذه المدة على علمه بحقائق الأشياء، وكذا لو لم يعرف أن الحواس أو القضية ما هي، وأن الدليل أو العسل ما هو، وأن الممرور أو الأحول من هو، وأن المرارة أو الرؤية ما هي، وأن الواحد أن الاثنين ما هو، وأن ما يتناقض قضاياه لا يصلح دليلا مثبتا، لما اشتغل بإيراد هذه الشبهة.
(1) يعتمد المؤلف هنا على إبطال مذهب خصومه المنكرين للحقائق على جهلهم بمذهبهم، ثم يؤكد أن وجود مثل هذه الطائفة وبقاؤها إلى اليوم دليل على خطأ مذهبهم، وأنهم معاندون، وهذه المعاندة ترتد بهم إلى الفرقة السابقة، حيث لا يصلح له إلا الإيلام الحسي، نهاية لوحة 3/ـ من النسخة (د) .