فَهلْ سمِعَ الخَلقُ مُنذ أوجدَهم الله لهِذِه المجازر البَشرِيَّة التي انتهى إليها شوطُ هِذِهِ الحضارةِ نظيرًا أو مثيلاً، وهل أغْنَت عنهم مَدَنِيتُهُم وحضَارتُهم من عذاب الله من شيء لمّا جاء أمرُ رَبِّك، وما زادتهم غير تتبيب؟ فلا يخدعنك ما ترى من المناظر المزخرفة والأقوال المموهة، والدعاوي العريضة، وانظُرْ إلى بواطن الأمور وحقائقها، ولا تغرنك ظواهِرُهَا، وتأمل النتائجَ الوخيمةَ، والثمراتِ الذميمةَ فهل أسْعَدَتْهم [1] هذه الحضارة في دنياهم التي لا حياة لهم يرجون غيرها؟! أم تراهم ينتقلون من شرٍ إلى شرورٍ؟ ولا يسكنون في وقت إلا وهم يتحفزون إلى شرورٍ فظيعةٍ ومجازر عظيمة؟ فالقوة والمدنية والحضارة والمادة بأنواعها إذا خلت من الدينِ الحق فهذه طبيعتها وهذه ثمراتها وويلاتها ليس لها أصول وقواعد نافعة، ولا لها غايات صالحة.
هلاك المسلم في ترك دينه
ثم هب أنهم مُتِّعُوا في حياتِهم واستُدْرجُوا فيها بالعزِّ والرياسةِ ومظاهرِ القوةِ والحياةِ، فهل إذا انحزت إليهم وواليتَهم يُشركونَك في حياتِهم ويجعلونَك كأبناءِ قومِهم؟ كلا والله، إنهم إذا رضوا عنك جعلوك من أرذلِ خُدَّامِهم! وآية ذلك أنك في ليلِك ونهارِك تكدحُ في خدمتِهم، وتتكلمُ وتجادلُ وتخاصم على حسابهم، ولم ترهم رفعوك حتى ساووا معك أدنى قومِهم وبني جنسِهم!! فالله الله يا أخي في دينِك [2] وفي مُرُوءتِك وأخلاقِك وأَدبِك!! والله الله في بقية رمقِك!! فالانضمام إلى هؤلاء والله هو الهلاك.
أثر الجليس الصالح وجليس السوء
(1) الواقع أن ما يراه الشخص من مظاهر المتعة ما هو إلا هروب من الهموم المتراكمة والأحزان المتلاحقة فمن لم يطعم سعادة الدنيا بالعبادة يحرم سعادة الآخرة.
(2) أثبت الواقع أن المتنكرين لدينهم يَلفظُهم الأعداء إذا أدركوا مقصودهم منهم ويبتعد عنهم بنو جنسهم فيعيشون في حيرة عظيمة تنتهي بهم إلى نهاية وخيمة.