فلما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم . وفق القاعدة الإسلامية: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) . . فتجهز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحاصر محلة بني النضير , وأمهلهم ثلاثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم , ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم . ولكن المنافقين في المدينة - وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة , وقالوا لهم:أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم . وإن قوتلتم قاتلنا معكم , وإن أخرجتم خرجنا معكم .
وفي هذا يقول الله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا , وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا يخرجون معهم , ولئن قوتلوا لا ينصرونهم , ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون . لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله , ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ...) .
فتحصن اليهود في الحصون ; فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقطع نخيلهم والتحريق فيها . فنادوه:أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه:فما بال قطع النخيل وتحريقها ? وفي الرد عليهم نزل قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) . .
ولما بلغ الحصار ستا وعشرين ليلة , يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم , وقذف الله في قلوبهم الرعب , فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يجليهم ويكف عن دمائهم , كما سبق جلاء بني قينقاع - وقد ذكرنا سببه وظروفه في تفسير سورة الأحزاب في الجزء الحادي والعشرين - على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم