وقيل: خرج عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر إِلَى ضيعة لَهُ فنزل عَلَى تحيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فِيهَا إذ أتي الغلام بقوته فدخل كلب الحائط ودنا من الغلام فرمى إِلَيْهِ الغلام بقرص فأكله ثُمَّ رمى إِلَيْهِ بالثاني والثالث فأكله وعبد اللَّه ينظر فَقَالَ: يا غلام كم قومك كُل يَوْم؟ قَالَ: مَا رأيت قَالَ: فلم آثرت هَذَا الكلب؟ قَالَ: مَا هِيَ بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده قَالَ: فَمَا أَنْتَ صانع اليوم؟ قَالَ: أطوى يومي هَذَا فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر: إلام عَلَى السخاء إِن هَذَا لأسخى منى فاشترى الحائط والغلام وَمَا فِيهَا من الآلات فأعتق الغلام ووهبها لَهُ.
وقيل: أتى رجل صديقا لَهُ ودق عَلَيْهِ الباب فلما خرج إِلَيْهِ قَالَ: لماذا جئتني؟ قَالَ: لأربع مائة درهم دين ركبتي فدخل الدار ووزن لَهُ أربع مائة درهم وأخرجها إِلَيْهِ ودخل الدار باكيا فَقَالَتْ لَهُ امرأته: هلا تعللت حِينَ شق عليك الإجابة، فَقَالَ: إِنَّمَا أبكي لأني لَمْ أتفقد حاله حَتَّى أحتاج إِلَى مفاتحتي بِهِ.
وَقَالَ مطرف بْن الشخير: إِذَا أراد أحدكم منى حاجة فليرفعها فِي رقعة فإني أكره أَن أري فِي وجهه ذل الحاجة، قيل: أراد رجل أَن يضاد عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس فأتى وجوه البلد وَقَالَ لَهُمْ: يَقُول لكم ابْن الْعَبَّاس: تغدوا عندي اليوم فأتوه فملأوا الدار فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فأخبر الْخَبَر فأمر بشراء الفواكه فِي الوقت وأمر بالخبز والطبيخ وأصلح أمرا فلما فرغوا قَالَ لوكلائه: أموجود لنا كُل يَوْم هَذَا؟ فَقَالُوا: نعم فَقَالَ: فليتغد هَؤُلاءِ كلهم عندنا كُل يَوْم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: كَانَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما فِي صحن داره فدخل إِلَيْهِ إِنْسَان وسأله شَيْئًا من الدنيا وَلَمْ يحضره شَيْء فَقَالَ: اصبر حَتَّى أفرغ فصبر فلما فرغ قَالَ: خذ القمقمة واخرج، فأخذها وخرج ثُمَّ صبر حَتَّى علم أَنَّهُ بَعْد فصاح وَقَالَ: دَخَلَ إِنْسَان وأخذ القمقمة فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذَلِكَ لأن أهل المنزل كَانُوا يلومونه عَلَى كثرة البذل.