فالرهبة في معنى المصدر المضاف إلى مفعوله ، وكل مصدر لفعل متعدّ يحتمل أن يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله ، ولذلك فسره الزمخشري بأشد مرهوبية.
و {من الله} هو المفضل عليه ، وهو على حذف مضاف ، أي من رهبة الله ، أي من رهبتهم الله كما قال النابغة:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي...
على وَعِللٍ في ذي المطارة عاقل
أي على مخافة وَعل.
وهذا تركيب غريب النسج بديعه.
والمألوف في أداء مثل هذا المعنى أن يقال: لَرهبتهم منكم في صدورهم أشد من رهبتهم من الله ، فحُوّل عن هذا النسج إلى النسج الذي حبك عليه في الآية ، ليتأتّى الابتداء بضمير المسلمين اهتماماً به وليكون متعلّق الرهبة ذوات المسلمين لتوقع بطشهم وليأتي التمييز المحول عن الفاعل لما فيه من خصوصية الإِجمال مع التفصيل كما تقرر في خصوصية قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيباً} [مريم: 4] دون: واشتعل شيبُ رأسي.
وليتأتى حذف المضاف في تركيب {من الله} ، إذ التقدير: من رهبة الله لأن حذفه لا يحسن إلا إذا كان موقعه متصلاً بلفظ {رهبة} ، إذ لا يحسن أن يقال: لرهبتهم أشد من الله.
وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية} في سورة [النساء: 77] .
فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله.
أما اليهود فلأنهم أهل دين فَهُم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة.
وأما المنافقون فهم مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإله الأعظم ، وأنه أولى الموجودات بأن يخشى لأنه ربّ الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاءَ فخشيتهم الله قاصرة على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية.
وهذا بشارة للنبيء والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوّهم كما قال النبي: نُصِرت بالرعب مسيرة شهر.