ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإِشارة إلى أنها رهبة جدُّ خفيّة ، أي أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله على دخيلتهم فليس قوله: في صدورهم وصفاً كاشفاً.
وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثُنّي عنان الكلام إلى مذمّة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوفَ للناس منهم لله تعالى بأن ذلك من قلة فقه نفوسهم ، ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلموا صدقهُ فنجَوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين.
فالجملة معترضة بين البيان ومبيّنه.
والإِشارة بذلك إلى المذكور من قوله: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} واجتلاب اسم الإِشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته.
والباء للسببية والمجرورُ خبر عن اسم الإِشارة ، أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم.
وإقحام لفظ {قوم} لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعاً وصار من مقومات قَوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله: لآيات لقوم يعقلون} في سورة [البقرة: 164] .
والفقه: فهم المعاني الخفية ، وقد تقدم عند قوله تعالى: {فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} في سورة [النساء: 78] ، وقوله: {انظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون} في سورة [الأنعام: 65] ، ذلك أنهم تَبِعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم ، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيّات.
{لاَ يقاتلونكم جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} .