وذكر هذا العدد ليس المراد به الحصر، وإنما المراد به بيان التكثير، بيان شعب الإيمان، وإلا لو عددنا شعب الإيمان والأعمال التي تنطبق على الصور التي جاءت في الحديث لجاءت كثيرة جدًا، ولا يمكن للإنسان أن يحصرها بعدد معين، وإنما المراد بذلك هو التكثير، فالعرب تذكر أمثال هذه الأعداد كالسبعين والستين والتسعين والسبعمائة والتسعمائة على سبيل التكثير، وليس المراد بذلك التقييد. وفي قوله: (الإيمان بضع وستون شعبة) ، الإيمان هو ما تقدم الكلام عليه في تعريفه، وقوله: (بضع وستون شعبة) ، والبضع هنا إنما أورده مع الستين، لأن بعض العلماء حمله على أنه أريد بذلك الحصر، ولكننا نقول: إنه لو أريد بذلك الحصر لوجب علينا أن نقول أريد بذلك حصر الشعب لا حصر أنواعها وأجناسها وأصنافها، وإلا فهي متعددة، فنستطيع أن نقول مثلًا ما يتعلق بأبواب الصلة، يدخل فيه صلة الأبناء، وصلة الزوجات، وصلة الجيران، وصلة الضيف، وصلة البعيد والقريب كلها داخلة في أبواب الصلة، ولو أردنا أن نجزئها لجعلنا صلة الجار والإحسان إليه شيئًا، وصلة الوالدين شيئًا، والإحسان إلى الزوجة شيئًا، والإحسان إلى الأبناء شيء، وهذه شعب تجمعها شعبة واحدة وهي أصل صلة الناس، ويحتمل أن نقول المراد بذلك هي أنواع الشعب، ويدخل تحت ذلك أنواع كثيرة لو حملناها على هذا المعنى. ولكن الذي يظهر والله أعلم أن المراد بذلك هي الكثرة، ودليل ذلك وأماراته أنه لو كانت هذه الشعب مضبوطة بعدد معين لضبطها الرواة ولم يفوتوها وهم أئمة حفاظ؛ ولهذا تباينت فيها الروايات: (بضع وسبعون) و (بضع وستون) (اثنان وسبعون) ونحو ذلك، وهذا يدل على أنهم ما قصدوا العدد بعينه، وإلا فالصحابة أضبط الناس لأمثال هذه الشرائع، مما يدل على أن المراد من ذلك أن الشريعة أعداد، وهذه الأعداد يستكثر منها، وإحصاؤها يشق على الإنسان.