ولهذا الإنسان يتوقى كربات الدنيا وأذاها ويتقي النار ويتقي الحر، ويتقي أيضًا ما يفسد عليه دنياه، ويجب عليه كما يتقي ذلك أن يتقي الكفر، وإنما ذكر الكفر في ذلك وما ذكر الذنوب والمعاصي؛ لأن الكفر هو أقصى ما يصل إليه الإنسان من ظلمه لنفسه وتعديه على حق رب العالمين، وأما ذكر المعاصي والذنوب ففي ذكرها مشقة على الإنسان؛ وذلك أن المعاصي تتباين وتتفاوت منها ما هي صغائر ومنها ما هي كبائر، فإذا قيل: إن الإنسان لا يجد حلاوة الإيمان حتى يكره أن يقع في معصية ولو كانت صغيرة كما يكره أن يقذف في النار، لشق ذلك على بني آدم، والله عز وجل رحيم بعباده، وإنما قدم محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة غيرهما لله جل وعلا؛ لأن محبة غيرهما ولو كانت في الله إذا لم تكن من غير واسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها محبة مشوبة، كالذي يحب الناس لله جل وعلا ولكن على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، إما على يهودية أو على نصرانية ونحو ذلك فهذا قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وهذه المحبة ليست هي المحبة المقصودة، ولهذا جاء في محبة الأخ في الله بعد محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتفرع عنها محبة الغير، لهذا يقال: إن أعظم المحبوبات في ذلك هو أن يحب الإنسان ربه جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان ثمة تلازم بين محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى محبة الله إلا بواسطة النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن رب العالمين، ومن رام قصدًا لمحبة الله من غير محبة نبيه عليه الصلاة والسلام، أو بواسطة من غير واسطة محمد صلى الله عليه وسلم فهو يروم محالًا، ويقصد في ذلك وهمًا.