ثمَّ عدل عن أسلوب الشرط في الشطر الثانى إلى الأسلوب الخبرى لتأكيد النفى خاصَّةً وأنَّ الأمر الذى يدَّعيه أمرٌ غريبٌ يمكن أن يكون فيه شكٌ أو ريبٌ , فعدم الحزن والجزع عند الهزيمة أمرٌ غريبٌ يمكن أن ينكره السَّامع؛ لذلك جاء بالأسلوب الخبرى مؤكدا النفى"بلا"مقدما الضمير": نحن"بعد أداة النفى ليعرِّض بالمشركين، ونلاحظ أنه وصل بين الجمل في البيتين الثاني والثالث؛ لأن أراد أن يثبت لهم مضمون هذه الجمل مجتمعة.
وقد صوَّر هذا المعنى -"عدم جزعهم عند الهزيمة"-بالاستعارة المكنية في قوله"ولا نحن من أظفارها نتوجَّع"وبلاغة الاستعارة المكنية تكمن في أنَّها"تعمل غالبا على بثِّ الحياة والحركة في المشبه به لغرض المبالغة" (1) ، ففى هذه الاستعارة جعل الحرب حيوانًا مفترسًا يخمُش المتحاربين بأظفاره، فقد شبه الحرب بحيوان مفترس ثم حذف المشبه به رمز إليه بشئٍ من لوازمه وهى"الأظفار"والصورة دقيقةٌ موحيةٌ، فالتركيب الذى جاءت الاستعارة في معرضه نَظَمَه الشاعر بدقَّةٍ وإتقانٍ. فالأظفار تدل على أنَّ الهزيمة مهما نالت منهم فلن تعدو أن تكون آثارها كخدوشٍ من أظفار حيوانٍ مفترسٍ, فهم من القوة بمكانٍ بحيث لا ينال منهم عدو نيلًا بالغًا؛ ولذلك آثر الأظفار كلازم للمشبَّه به المحذوف دون الأنياب، لهذا الغرض، وألمح مناسبةً معنويةً دقيقةً بين الكناية"بنو الحرب"وهذه الاستعارة وهى أنَّه لما أثبت لقومه بنوتهم للحرب اختار الأظفار كلازم للمشبه به المحذوف فيكون المعنى أن الحرب مهما قست عليهم فلا يعدو أثرها أن يكون إلا كحيوان مفترسٍ يداعبُ أبناءه بمخالبه فهو إن أصابهم خطأ بأظفاره فإنما يصيبهم إصابةً غير بالغة، وللجناس التام المستوفى بين"نظفر، والأظفار"معنىً بالغ الروعة والجمال، حيث يطوى هذا الجناس الأبيات طيَّا ليعبِّر هو عن معناها في كلمتين , فالجناس يوحى بمساواة الظفر بالأظفار وهو المعنى الذى تدور حوله الأبيات.