الليل همّ يتبعه همٌّ وحزن يعقبه تذكُّر حزن آخر, يشبِه تتابع موج البحر إلى الشاطئ وهذا الوجه فيه معنى الكثرة والشدَّة، هكذا وصف توارد الهموم والأحزان عليه مع قدوم الليل، ثمَّ انتقل إلى تصوير حالته النفسية في قوله"أرخى سدوله عليَّ"فإنَّ هذا الشاعر استعار لظلمة الليل السُّدول المرخاة لما بين المستعار والمستعار له من اجتماعهما في منع الأبصار من الأبصار" (4) وأرى أن ليس هذا التناسب فحسب هو سر جمال الاستعارة ولكن , جمالها يكمن في أن نقل إلينا شعوره بوحدته فمع أنَّ هذا الليل يعمُّ الدنيا إلا أنَّه جعلنا نشعر بأنَّ الليل أرخي ستائره عليه هو وحده؛ ليجعله في حجرة صغيرة بقوله"أرخى سدوله علي"، حيث إن الجار والمجرور جعلنا نتخيله قد حبس وحده في حجرة صغيرة من صنع الليل."
(1) الموازنة بين الشعراء د / ذكي مبارك ص 15.
(2) المرجع السابق ص 106.
(3) تحرير التحبير ص 582 ج 4 ت. د / حفني شرف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية مصر 1416 هـ / 1995 م.
(4) المرجع السابق 1/ 100.
وهكذا يشعر كل مهموم مكروب أنَّه وحيدٌ في كل شيء وبعد أن وصف مرحلة أول الليل بدقةٍ وإبداع انتقل إلى وصف وسط الليل وهي المرحلة الثقيلة على نفس الإنسان لأنَّه صار على بعد عهد بالنهار ومنأى من الصباح، فتكون هذه المرحلة ثقيلة جدًا على المهموم المؤرَّق؛ لذلك جاء بـ"لمّا"والتي توحي بطول المدة، ثم صوَّر هذه المرحلة الثقيلة عليه"مرحلة وسط الليل"بما يناسب ثقلها، حيث صورها بجمل تراخي وتمدَّد متثاقلًًا في صور استعارية متكاملة غاية في البراعة، وقد جعل الآمدي هذه الاستعارات من أجمل الاستعارات قيمة لأنَّها"أشد ملاءمة لما استعيرت له" (1) ثمَّ تأتي المرحلة التي تلي مرحلة وسط الليل، وقد ضجر هذا المؤرَّق المهموم بالليل، ونفد صبره وضاق صدره، فجعل ينظر إلى نجوم السماء فيراها لا تتحرَّك؛ لأنَّه يستعجل حركتها فيشبِّهها في بطء حركتها وكأنَّها لا تبرح مكانها بشيءٍ ثُبِّت بجبل يذبل بأقوى الحبال وأمتنها، ويُلاحَظ علو لهجة الضجر والتأفُّف في قوله"فيا لك من ليلٍ!!"فهذه النبرة التعجبية تحمل في ثناياها زفرات تأفُّف وضجر وضيق ملتهب، وهكذا رأينا كيف تصاعد امرؤ القيس بصوره تبعا لحالته النفسية في كل مرحلة من مراحل الليل في إبداع واقتدار، وقد انتقد ابن