فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 296

فاستعار العرك الذي هو"حك الشيء حتى يمحى" (1) لاستئصالهم شيئًا فشيئًا والقضاء عليهم تدريجيَّا، وهو لا يقصد أنَّها تطحنهم بدليل قوله"بثفالها"ولم يقل"بلهوتها"وإنما قصد أنها تمحوهم تدريجيا بأخذها منهم أعدادا كبيرة في كل مرة تُبعث فيها، كما تحكُّ الرحى الثفال مرة بعد مرة، حتى يمور ويصبح باليا، وهذه الصورة متفرِّعة من الصورة في البيت السابق فالحرب إذا ما ضرت وأسرعت وجدَّت في التهامهم فإنَّها ستقضي عليهم وتستأصل شأفتهم؛ ولذلك ربط بين البيتين بفاء السببية، ويلاحظ ارتفاع لهجة التخويف في هذا البيت.

ثم إذا به يصوِّر من ينشأ في ظلال الحروب، وقد فقد أخًا أو أبًا، أو عزيزًا، فيعتاد عليها كأنَّه تولَّد من رحمها وتربَّى في أحضانها، فيصير مسعر حروب داع إليها فيستعير لهذه الهيئة هيئة الناقة التي تلقح تباعًا كل عام فتلد توائم ثم ترضعهم وتفطم، ثم يمزج الحقيقة بالصورة التي استعارها في قوله:

ولاحظ تقديم الجار والمجرور"لكم"والذي يفيد التخصيص، ثم تقديم"أشأم"على"كلهم"وذلك؛ لأنَّ كلا الطرفين يظن أنَّ الحرب تضرُّ الطرف الآخر ولا تضرُّه هو، وتكون شؤمًا عل عدوه لا عليه فقدَّم ليقلب هذا الاعتقاد.

(1) تعر ككم / عرك الشيء دلّكه حتى محاه / الوجيز 415.

ثم يتحول النَّاصح إلى متهكم وساخر بعد أن اطمأنَّ إلى تفتُّح منافذ العقول والقلوب , فيستعير تغلل لأضرار الحروب على سبيل الاستعارة التبعية التهكمية، لأنَّها لا تغلل لهم خيرا"بل تغلل لهم غلة ليست كغلة أهل العراق ففيها الموت والهلاك" (1) .

وبعد فهذه حكم وصور مترابطة محكمة تليق برجل من رجال الحوليات، وهكذا رأينا صورًا شتَّى يربطها زهير ببراعة فنراه يصور الحرب بالوحش الضاري ثم ينتقل بإتقان إلى الرحى ثم يحكم الانتقال إلى الناقة وهكذا تمتزج الألوان تحت ريشة زهير التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت