وأنا في الوادي أهبط شاهدت البحر يفور
وقناديل نجوم تومض في أقصى الهضبة
وقرى خالية محتجبة
وطريقًا مسحورًا ينهض بين الظلمة والنور
فوقفت أحدث نفسي:
هل أذهب أم أجلس في هذا المنفى؟
هل أقطع وادي الميلاد وحيدًا؟
هذا قدري
فلتعبر قدماي الصحراء المخبوءة في جسدي
وليكن البحر صديقي.
ثم حملت على كتفي أثقالي
وعبرت الطوفان [1]
ثم تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى مرحلة أخرى من مراحل نموها ليدخل الحدث الشعري في تقفية الحوار الداخلي"المونولوج"الذي ينطلق أولًا على شكل أسئلة واحتمالات. وهذا الدخول من الخارج الاستهلالي إلى الداخل التأملي هو ابتعاد عن وضوح الخارج وغنائيته العالية، واقتراب من غموض الداخل وهمسه وخفوت إيقاعه، لذلك غادرت التقفية مواقعها لتسمح للتكرار الاستفهامي"هل ... هل"بإشاعة مناخ إيقاعي آخر.
وباختتام الحوار الاستفهامي الداخلي يبدأ"المونولوج"بتقرير الحال الشعرية المقترحة على شكل إجابة يقدمها النص في واقعه الداخلي، ولا تحتاج إلى صخب إيقاعي يستدعي تقفيات، فظل التأمل ما زال مسيطرًا على أجواء القصيدة.
فالتقفية كما لاحظنا هي وليدة عالم القصيدة ونظامها التشكيلي، إذ كلما تقدمت تجربة القصيدة أكثر في فضاء الداخل والذهن والمخيلة، وكلما تعقد نظامها التشكيلي باستخدام تقنيات مرحلة من فنون إبداعية مجاورة كالسرد والحوار والمونولوج وغيرها، ونحت لغتها منحى رمزيًا تأويليًا، فإن الدور التطريبي والغنائي للقافية ينحسر إلى أضيق الحدود أو ينعدم، لتظهر خصائص إيقاعية جديدة"بديلة"ترشح من طبيعة التجربة وكونها الشعري.
(1) الشجرة الشرقية، وزارة الإعلام، 1976، بغداد: 17 - 18.