لا تتعدى الوصف والمناجاة وتقرير حال شعرية محددة، لكن هذه الدائرة ما تلبث أن تتسع باتساع حركة العاطفة وتغير المسار النفسي والتعبيري في القصيدة، بعد أن تنتهي مهمة الشكل العمودي الاستهلالية، منعطفة إلى الشكل الحر من خلال الابتداء بسطر شعري (ليلى هواي مناي شعري) كأنه عنوان جديد للقصيدة، ويبدأ عروضيًا بتفعيلة (مستفعلن - - ب -) وهي التفعيلة نفسها التي يبدأ بها البسيط، لذلك فإن الانتقال كان سهلًا من الناحية الإيقاعية ولم يولد أي اختلال أو نبو، ليتحول بها البحر الشعري من"البسيط"إلى"الكامل"المعروف بسعة فضائه ولينه وانسيابيته وغنائيته ووضوح تنغيمه [1] .
إلا أن الغنائية هنا إذا ما قيست بالمقطع العمودي الاستهلالي فإنها أقل تدفقًا وانسيابية، وذلك لأن المحاورة الشعرية انتقلت من محاورة"أنا الشاعر"مع"الغائب"في الشكل العمودي، إلى محاورة مع"المخاطب"في الشكل الحر، ومن لغة قيمية تصف إلى لغة واقعية تحدد فعلًا ومكانًا للعمل الشعري، ومن الفعل الأحادي إلى الفعل المشترك، ومن وضع نفسي تأملي إلى وضع أكثر عملية ووضوحًا وإنجازًا.
تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى الشكل العمودي مرة ثانية بأبيات أربعة يضعها الشاعر بين قوسين صغيرين مما يجعلها أشبه ما تكون بجملة اعتراضية، إذ كان الشاعر يستدعي"ليلى"استدعاء المخاطبة الحاضرة، بهدوء إيقاعي واضح يرتفع ويتدفق بهذه النقلة المفاجئة إلى الشكل العمودي، الذي يجيء في القصيدة وكأنه مقطع شعري معلق على محيطها، يؤثر في مساراتها ولا يدخل عالمها دخولًا إجرائيًا، مستغلًا كل ما يمكن أن يمنحه"البحر البسيط"من رشاقة وغنائية وانطلاق.
لذلك فإنه بمجرد انتهاء الأبيات الأربعة فإن القصيدة تستأنف شكلها الحر وكأن هذه الأبيات غير موجودة أصلًا، لأن التلاحم الشعري لغويًا وإيقاعيًا ودلاليًا واضح تمامًا بين ما قبل دخول الشكل العمودي وما بعده، إذ يستمر الشكل الحر في تقرير غنائيته الهادئة التي تتلون إيقاعاتها بتلون القوافي.
ويمكن ملاحظة أن التداخل الشكلي بوصفه نموذجًا من نماذج المزاوجة الموسيقية التي تستهدف بالدرجة الأساس كسر حدة الرتابة الموسيقية في القصيدة الحديثة، قد فقد إثارته في المرحلة الشعرية الراهنة، ونادرًا ما لجأ إليه شعراء اليوم، وذلك بسبب محدودية إيجازه وبعده قليلًا عن جوهر العمل الشعري. على العكس
(1) العروض والقافية: 38.