وتختلف الأصوات في ذلك حسب طبيعتها الإعرابية، فالأصوات الصحيحة مثلًا تؤدي"دورًا مهمًا في تشكيل القصيدة الإيقاعي، فإذا كانت أصوات المد توفر إمكانية التشكيل النغمي باختلافها في النغمة والطول والانسجام، فإن الأصوات الصحيحة- وهي أكثر تحديدًا وتميزًا- وهي ما يمكن أن نسميه الجسد أو الكتلة أو الثقل، هذه الأصوات إذا ما تجمعت تخلق أثرًا ذا قوة وفخامة من نوع خاص" [1] ، كما"أن حروف الزيادة التي تلحق الأفعال هي مورفيمات (وحدات صوتية دلالية) لا تعبر فقط عن معنى عقلي بل عن موقف وجداني ووجهة نظر أيضًا" [2] . لكنها لا تحقق هذا المدى التعبيري إلا من خلال وضعها داخل بنية التركيب. فعلى الرغم من أن للأصوات نوعًا من الدلالة التي تبدو على كل شيء من الاستقلالية، إلا أنها بمجرد أن تدخل في سلسلة التراكيب التي تكبر صعودًا من الكلمة إلى الجملة إلى النص، فإن الدلالة الصوتية تفقد استقلاليتها، إذ أنها"في كل مستوى من هذه المستويات تتخلخل حين تنتقل الوحدة اللغوية إلى مستوى أعلى، فيحدث ما يشبه الفجوات في المعنى، وتسعى الوحدة اللغوية الجديدة إلى إعادة الاستقرار على سطح التركيبة اللغوية" [3] ، من خلال الوظيفة التي يؤديها الرمز الصوتي في الكلمة، والوظيفة التي تؤديها الكلمة في الجملة،"وينبغي الالتزام بالنسق المتفق عليه في البيئة اللغوية الواحدة، وإلا فقد الرمز قدرته على النقل والإيحاء، وهذا النسق اللغوي يتضمن ترتيب الأصوات داخل الكلمة وترتيب الكلمات داخل الجملة" [4] .
إن هذه العملية التي تبدو في خصائصها الداخلية على شيء من التشابك والتعقيد، هي الخطوة الأكثر دقة وأهمية في تشكيل العمل الشعري وتأسيس جذوره الإيقاعية، لأن هذا التسلسل في تطور مراحل الصوت اللغوي بواقعه الإيقاعي والدلالي الذي يكتسب فيه على الدوام صفات جديدة، هو بالذات العنصر الذي يسهم في إعطاء النص الشعري وإيقاعه هويته المحددة.
(1) الإيقاع في الشعر العربي الحديث في العراق: 184.
(2) د. شكري محمد عياد، اللغة والإبداع- مبادئ علم الأسلوب العربي، انترناشيونال برس، ط 1، 1988، القاهرة: 13.
(3) د. شكري محمد عياد، دائرة الإبداع-مقدمة في أصول النقد-، دار الياس العصرية، 1987، القاهرة: 127.
(4) د. عبد السلام المسدي، اللسانيات من خلال النصوص، الدار التونسية للنشر، ط 2، 1986، تونس: 46.