كسمكة"سانتياغو"الضخمة
لم يبق مني غير الأضلاع وتجاويف العيون
فاقتلعني من ذاكرتك
وعد إلى محراثك وأغانيك الحزينة
لقد تورطت يا أبي
وغدا كل شيء مستحيلا
كوقف النزيف بالأصابع. [1]
إن القصيدة تنهض على فكرة أساسية هي فكرة الغربة المزدوجة في المدينة"غربة مكانية وغربة إبداعية"، ويحاول الشاعر من أجل إيصال هذه الفكرة إيصالًا شعريًا استخدام أكثر الوسائل قدرة على التكثيف اللفظي، ومن ثم إنشاء إيقاع يقوم على موسقة الفكرة عبر التسلسل الحكائي المبني على تتابع اللقطات التصويرية. هذه اللقطات ترسم في القصيدة من خلال التشبيهات التصويرية وهي تتألق في النص ببساطة وشاعرية تتحدد باستخدام حروف التشبيه "كالمأخوذ/ كالسائر في الحلم/ كأعماق المحيطات/ مثل قط عجوز/ كما ينفض الخنجر من الدم/ كما يشم الذكر رائحة الأنثى/ كاللص أمام نافذة مفتوحة/ كسمكة"سانتياغو"الضخمة/ كوقف النزيف بالأصابع"، التي تحقق توازنًا إيقاعيًا بين المشبه والمشبه به.
إن السياق الدلالي الذي يخلق في فضاء النص عالمًا من الحنين والضياع والتمرد والصعلكة، ينقل القصيدة إلى معنى حلمي يحاول إشغال الأحاسيس والمشاعر، ولا يجعل المتلقي يلتفت إلى خبرته الشعرية في استقبال نص يقوم على تقاليد إيقاعية مألوفة عليه هو"أي المتلقي"، أن يشكل إيقاعًا للقصيدة من خلال تزاوج عالم القصيدة مع تشكيلات أحاسيسه ومشاعره.
أما أدونيس الذي يعد أحد أهم كتاب قصيدة النثر ومنظريها، فقد تنوعت تجاربه الشعرية في هذا المجال وقدم قصائد نثرية مهمة ومتميزة، بلغت أقصى درجات رقيها في قصيدته الطويلة"مفرد بصيغة الجمع"، التي تعد نموذجًا متقدمًا من نماذج قصيدة النثر العربية، وهي في الوقت عينه."خروج من قصيدة النثر إلى ملحمية الكتابة" [2] ، وهي تجربة شهدتها قصيدته الحرة في بعض من نماذجها.
وقد يكون من المتعذر الاستشهاد بجزء من هذه القصيدة لأنها كل متكامل،
(1) الآثار الكاملة، دار العودة، 1973، بيروت: 304 - 307.
(2) د. علي جعفر العلاق، مجلة الأقلام، العدد 11 - 12، 114: 1989.