ولم يطلب مشوره لم يسأل نجمًا
ترافقه الأجنحة/ ليس في البحار ما يروي
وهاهو رتاج العلم
يصلصل
أمامه
وينأى .. [1] .
إن هذا المقطع ممتلئ بمفردات مشحونة تنهض على تكثيف دلالي واضح، من خلال اكتنازها برموز متشابكة لا تقدم احتمالات جاهزة للمعنى.
ويأخذ الصوت مديات جديدة بوساطة الزخم الفعلي الذي يوفر أحيانًا إمكانية تطور درامي للحركة الفعلية كما في"اكتأب تأوه اكفهر بكى/ وفوجئ بالغيم/ يكتئب يتأوه يكفهر يبكي"، أو حركة تقابلية ذات إيقاع متوازن كما في"اخرج إلى (التاريخ/ أيها الطفل/ يخرج".
وتفيد القصيدة في مقطعها الصغير هذا من مساحات البياض أو الفراغ مقدمة في ذلك إيقاعًا خاصًا عبر توزيع سواد الكتابة بطريقة مخالفة وغير مألوفة تهدف إلى كسر رتابة التوزيع شبه المنتظم للقصيدة الحرة.
وتتقدم الصورة الشعرية أيضًا بإيقاع جديد نابع من غرابتها وعمقها وقابليتها على الإدهاش، على الرغم من أنها تبدو هادئة، حيادية، خالية من الحماس ...
ويعمل التناوب الحاصل بين أفق الدلالة الموجب وأفق الدلالة السالب على تشكيل تنوع حركي في الإيقاع، يرتفع وينخفض بتقدم أفق الدلالة وتأخره من الإيجاب إلى السلب.
وقد يكون أنسي الحاج من أكثر شعراء القصيدة الحرة إن لم يكن أكثرهم إيغالًا في دفع هذه القصيدة إلى أن تصبح بديلًا نهائيًا لكل الأشكال الشعرية الأخرى، عبر رغبته المنقطعة النظير في إحداث تشكيلات شعرية غريبة في قصيدته، تقوم على المغامرة بمخالفتها المحض، ودفعها إلى أقصى قدرة ممكنة على الإدهاش والغرابة.
ففي قصيدته"مجيء النقاب"تتنوع الأساليب اللغوية المستخدمة، ويتناوب حضور السؤال والإجابة، كما يطرح سؤالًا بلا إجابة وتتقدم إجابة بلا سؤال.
(1) مفرد بصيغة الجمع، دار العودة، بيروت: 45 - 47.