يا أنت بغدادية العينين .. يا حبيبة [1]
إن الغنى الدلالي لهذه التقفيات يتفاوت بتفاوت قيمة بنيتها في السطر الشعري، غير أن هذا الغنى الدلالي يبلغ مرحلة متقدمة في السطر الشعري الثالث"يا قطة شماء .. يا غاضبة شهية"، فالتقفية"شهية"تحقق تعادلًا مع"غاضبة"، وبامتزاجهما في كائن واحد"قطة شماء"العائدة على-فتاة القصيدة- يتحقق جدل خاص في التعامل مع هذه الصورة الفنية.
بمعنى أن"شهية"لم تأت لمجرد سد فراغ تقفوي في القصيدة، إنما حققت تركيبة دلالية أسهمت كثيرًا في إنجاح الصورة، على العكس مثلًا من التقفية"يا غبية"التي تبدو مفتعلة وزائدة لذلك فإنها فقيرة دلاليًا، والتقفية"الجديبة"التي وصفت بها الصحراء وهي صفة تقليدية لها لا تحتاج إلى ذكر لأن الصحراء أصلًا جديبة، وما مجيئها هنا إلا لتحقيق تناسق صوتي وإيقاعي مع التقفية اللاحقة في السطر الشعري الأخير من القصيدة"يا حبيبة"بلا أية إضافة دلالية.
أما قصيدة الشاعر محمد عفيفي مطر"في المعرفة المرة"فإنها تقوم أيضًا على نظام تقفوي شبه منتظم:
إنني أدخل في أجسادكم
أبدأ الرحلة ما بين العروق المعتمة
علني أنظر ما يشبه شمسي المظلمة.
علني أنظر ما يشبه أعراس الردى في الزحمة المنهزمة
إنني أدخل في أجسادكم
علني أسمع فيها مولد الشعر وموت الأغنية
علني أهرب مني
مطفئًا شمس مجاعاتي ومبتلًا بنبع المرثية
إنني أدخل في أجسادكم
ربما قابلني الليل الذي يجهض في كل صباح
ربما يسمعني السيف حوار الدم في اللحم الغريض
(المستباح)
(1) المجموعة الشعرية الكاملة، منشورات وزارة الإعلام العراقية، 1977، بغداد: 391.