خطر لنا عند الفراغ من تأليف هذا الكتاب، أن نستطلع آراء نُخبةٍ من أكابر العلماء وفحول الكُتَّاب، عن أفضل وسيلة تنهض بالسلطنة بعد كبوتها وتزيد في يقظة الأمة بعد غفوتها، فسألنا من أسعدنا الحظ بالوصول إليه قبيل صدور هذا المؤلف أن يصوغ لنا فكرته الأساسية في أسطرٍ قليلة، فتكرموا بتلبية الطلب، أدامهم الله زهرًا نضيرًا في بستان العلم والأدب، وإليك آراءهم مرتبة حسب تواريخ ورودها.
كتب إليَّ عالمٌ كبيرٌ لم يشأ أن ينشر اسمه قال: «إن الأمر عويصٌ جدًّا لأن في السلطنة فواعل كثيرة متناقضة وبعضها خفي، ولقد سمعتُ مرةً المرحوم نوبار باشا رئيس الوزارة المصرية الأسبق يقول: إن لورد دربي ألقى عليه سؤالًا مثل سؤالك وطلب منه أن يرتئي رأيًا أو يضع مشروعًا نافعًا للسلطنة العثمانية، قال نوبار: فأخذت القلم وكتبت: «أن يُنشأ في السلطنة محكمة مختلطة مستقلة تُرفع إليها الشكاوى من المأمورين، فتحاكمهم وتُنفذُ الحكومة ما تحكم به عليهم.»
فما أدقُّ هذا الانتقاد، وما أرقُّ هذا التهكُّم ... !
أُقرئك السلام وبعد، فسؤلك هام ومطلبك أهم.
الدولة العلية رعاك الله مجموعٌ يحتاج في سياسته وإنهاضه إلى حكمة عالية وبصر بالأمور كبير، فإذا غلب الرأي الهوى وبطل التفاضل بين العناصر وأقيم وزن العدل وتساوى الناس جميعًا في الحقوق وفي الواجبات، وإذا خلصت نيات أهل الزعامة وصدقت عزائم ذوي الرئاسة ففضلوا مصالح الأمة على المنافع الفردية، وجدَّ الكلُّ في طلب الإصلاح فنشروا التعليم وعنوا بالأمور الاقتصادية، فاستبقوا لأنفسهم مرافق البلاد وكنوزها وذللوا السبل وأمنوا السابلة وقربوا المسافات، ثم ازدرعوا واحترفوا واتجروا فأحرفوا، وإذا أحكموا نظام الجند وهذبوه لا شك أن الدولة ناهضة من سقطتها، وأن الأمة ناشطةٌ من عقالها، وأنها نائلةٌ من الحضارة والمناعة مكانًا عليًّا.
حضرة الفاضل، إن كان المقصود من «السلطنة» في سؤالكم «الحكومة والأمة» في حالتهما الحاضرة؛ أي الدستورية، فوسائط إنهاضها متعددة منها ماديٌّ ومنها أدبيٌّ، ولكل واسطة منها قوة لا يُستغنى عنها وخصوصًا وسائط العلم والمال، على أن في الحكومة وفي الأمة رجالًا من ذوي العلم وذوي المال، فلا يعوزهم إدراكٌ ولا يسار، ولكن الذي ينقصنا هو تربية الحكومة على الأخلاق القويمة والصفات المنظمة والمرقية لشئون الهيئة الاجتماعية حتى نستطيع الاتحاد والتعاون على تدبير أمورنا وإنجاح أعمالنا، ونحن جماعات كما يستطيع كثيرون منا اليوم تدبير أمورهم وإنجاح أعمالهم وهم أفراد.
التوظيف: إذا أراد التركي أن يستبقي ما بقي لهُ من مُلكه فلا يُفَرِّقنَّ بين التركي وسائر الأجناس التي تتألف منها الدولة العثمانية، بل يجب عليه أن يفضل في التوظيف في كل بلدٍ أهل الكفاءة من بنيها، فلا يوظف التركي في بلدٍ غير بلده الأصلي إلا إذا كان يتعسر وجود أكفاء مثله من أبناء ذاك البلد، فتتعود جميع العناصر التي تتألف منها الدولة حبَّ الراية التي تظلهم والأراضي التي تقلهم، فيقوم عندئذ وطنٌ عثمانيٌّ حقيقيٌّ يحبونه ويذبُّون عنه في اليوم العصيب.
التعليم: التعليم من أوجب الواجبات لنهوض الشعب العثماني مما هو فيه، ولا يُراد بالتعليم أن يصبح جميع الأفراد من العلماء بل يكفي أن يكون هناك عدد وافر من المتعلمين يسيرون بالدولة إلى مقام الشعوب الراقية، وأن يتعلم باقي أفراد الأمة ما يمكنهم من فهم قادتهم وأرباب الرأي فيهم.
العدل: العدل بسيط في معناه صعبٌ في تنفيذه بين الأفراد، وأكبر آفاته الغرض والرشوة، فإذا أرادت الدولة أن يسود فيها العدل فلتصرف كل جهدها في ملاشاة هاتين الآفتين، ولتحذر من أن تستعين بالأجانب في سن قوانينها وتوزيع العدل بين رعاياها، ومن أن تطلب غير أبناء بلادها لإقامة العدل وسن القوانين، وإلا تعذر عليها أن تجد عدلًا وطنيًّا متفقًا مع أخلاق أمتها وعاداتها. وما يُقال في العدل يقال أيضًا في سائر فروع الإدارة، وإذا كانت الحكومة لا تجد مندوحة عن الاستعانة بالأجانب الأكفاء فلا تطلبهم من حكوماتهم، بل تكلفهم وضع التقارير بعد اختبارهم لحالة البلاد، ثم تأخذ النافع والموافق لعادات الأهالي من تلك التقارير دون أن تجعل أصحابها موظفين رسميين.