فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 121

إلى كسر في أعضائها، ورأس سياسة الوزيتيفست أن يفصل الدين عن السياسة الدنيوية عند جميع العناصر العثمانية، وبعد هذا الفصل يمكن الالتجاء إلى موحِّدة الأمة وبانية أساس مستقبلها أعني بها المدرسة الابتدائية الإلزامية - واحدة لجميع أبناء الأمة، وبمعزل عن المذاهب الدينية لتوحيد أغراض الأمة وأهوائها ما أمكن التوحيد، وجعلها أمة واحدة لا أممًا متخلفة كما هي الآن. (14) رأي الأستاذ القانوني الشهير عزيز خانكي بك

يجب أن تبدأ الدولة بإعطاء ولاياتها الاستقلال الذاتي الداخلي ثم تجعل الصلة بينها وبين ولاياتها كالصلة بين ممالك ألمانيا والإمبراطورية، أو كالصلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية، ثم تتعاون جميع الولايات على تكوين قوة الدولة البرية والبحرية، بمعنى أن كل ولاية تشترك بنسبة ثروتها.

هذا من جهة سياسة الدولة من حيث مجموعها، أما رُقيُّ الولايات فلا أمل فيه إلا بإنشاء المحاكم، ووضع القوانين النظامية على الطريقة العصرية، وإقامة المدارس، ومد السكك الحديدية، وتوطيد أركان الأمن العام، وإجراء الإصلاحات العامة اللازمة لكل بلد، مثل إنشاء السكك الزراعية وبناء القناطر للري، وتسهيل المواصلات البرية والبحرية، وتعميم بعض النظامات الغربية مثل التلغرافات والتلفونات وتنظيم البريد داخل الولايات، وتشجيع الأهالي على إنشاء الشركات للاستئثار بخيرات هذه الأقطار التي يُقال إنها كلها كنوز لا تنفد.

أصلح نظام للدولة على ما بين العناصر والولايات العثمانية من التباين في الحاجات، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، وعلى ما بين أهليها من التفاوت في الحضارة، أن تُجعل ممالك أو ولايات مستقلة في جميع شئونها الخاصة استقلالًا تامًّا حتى في قوانينها، وفي شكل حكومتها مع ارتباطها جميعًا في الشئون العمومية على نحو نظام الولايات المتحدة الأميركانية أو الممالك الجرمانية، فتُسمى حينئذ الولايات أو الممالك العثمانية المتحدة.

ولهذا النظام مزية على كل نظام آخر وهي: أنه النظام الوحيد الذي يمكنه أن يجمع بين الولايات والإمارات العربية في جزيرة العرب وسائر الولايات الأخرى الممتازة وغير الممتازة.

أهم ما يجب لإحياء أمر الدولة العثمانية وإعلاء شأنها إنما هو العدل الصحيح في الرعية، وإصلاح المالية؛ فهما أساس الملك وبهما قوام الدولة: ذلك بأن تشترك جميع عناصر المملكة في الأمر على نسبة كل منها إلى المجموع، فيعهد في الوظائف إلى ذوي الكفاءة وتؤدى الرواتب في مواقيتها، وتوضع المكوس على ما تطيق الرعية، وتستثمر المعادن، وتقام أعمال الري والطرق الحديدية، وغيرها على السواء في جميع أقطار البلاد، وتستعمل الدولة في الإصلاح وتعميم التعليم العلماء الراسخين من الشرقيين والغربيين، ويكون الانتخاب على ما يضمن لكل ملَّة العدد النسبي من الأعيان والنواب دون محاباة أو تفاضل، فمتى حصل ذلك توفرت الأموال واتحدت كلمة الجيش وساد الأمن، واستوثقت الرعية من الوازع وانتظمت الشورى وحصلت الألفة بين الأمم المختلفة، وانصرف هم القائمين بالأمر إلى استصلاح الزراعة وترقية الصناعة والعناية بأسباب العمران ونبذوا الشقاق، وصدقوا في حب الوطن وتعاونوا على الأمر مخلصين منزهين عن المطامع الشخصية بما يزيد هيبة الحكومة ويؤيد سلطانها.

يتم ذلك بإذن الله إذا امتنعت الدول عن تعكير الأمر على العثمانيين، وجرى هؤلاء نحو ما تقدم ربع قرن أو ما يزيد لتنال الناشئة، وعليها المعول في الاحتفاظ بعمل الإصلاح، من العلم والمدنية والمران على الأعمال ما يضمن للدولة كيانها وعظمتها وللعثمانيين اتحادهم واستقلالهم.

سألتني رأيي في الدولة ومصيرها: جاز بالدولة في هذا العام عبرة كبرى إذا لم تعتبر بها نالها ما هو شرٌّ منها، وللدولة الآن بقية ملك هو أبعد مدىً وأمنع حمى وأطيب بقعةً من جُلِّ الممالك الأوروبية، فهل لها أن تعدل في الباقي من هذا الملك وتمنعه حادثات الدهر؟ الله أعلم. على أن الدولة لا تجهل أشراط الملك على المالك وما هو مُبقٍ له وما هو ذاهب به، حتى لقد أصبحت الدلالة على وجوه الإصلاح المنشود من مبتذلات الكلام وملوكات الأفواه والأقلام، فهل للدولة أن تعمل بما علَّمها الدهر على حين لم يبقَ لها من ناصر إلا ما تسعى إليه من ترميم هذا الملك العزيز، وإلا فقد قضى الله بما لا دافع له ولا مانع منه، وحسبكم الإشارة يا ألباء هذه الدولة، فاعدلوا بين ضروب الرعية؛ لأن دولتكم مستمدة من جملتها لا من أبعاضها وقدموا الكفؤ على غيره مهما كانت نبعته ومنبت أسلته، واستعملوا الأجنبي في تدبير ما أنتم ضعاف عن تدبيره، واسلكوا القصد في عملكم من غير سرفٍ ولا تفريط، وخذوا بالجديد الصالح واخلعوا القديم المبتذل، ثم أعدوا للملك عدته من رجال ومال، والله الواقي في هذا الباقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت