وفي اليوم العاشر من شهر ديسمبر اجتمع المندوبون البلغاريون والمندوبون العثمانيون واتفقوا على شروط الهدنة.
ولما فشل مؤتمر الصلح وألغيت الهدنة (كما سترى بعد نهاية الكلام على المعارك) ، عاد البلغاريون إلى مهاجمة أدرنه كما عادوا إلى القتال في كليبولي وجتالجه، فاستولوا على قلعة «مال» ، ولما لاح الصباح في 25 مارس أخذوا يطلقون القنابل من عدة جهات على النقطة التي عينوها للهجوم، وكانت البطاريات العثمانية تجيبهم بشدة في جميع الأقسام، ونحو الساعة الثامنة 2 صباحًا كان الضباب كثيفًا فاضطر الطوبجية إلى إسكات مدافعهم، على أن هذا الضباب ساعد المشاة البلغاريين فتقدموا مسافة نحو القلاع. وفي الهزيع الأول من ليل 26 مارس اخترق آلاي بلغاري الأسلاك المنصوبة لصد العدو، وقيل: إن الجنود التي تولت قطعها كانت تحمل تروسًا وتسوق معها عددًا من الأبقار وغيرها. ثم هجمت الجنود البلغارية قبل أن يتم قطع الأسلاك وهي تصيح صيحة الحرب فصادمتها الجنود العثمانية في القلاع نفسها فقتل كثيرون بالسلاح الأبيض، وما كانت الساعة الثامنة من صباح 26 مارس حتى صارت جميع الجهات الشرقية من حصون أدرنه في أيدي البلغاريين، ثم استمر القتال في الجهات الأخرى حتى تم النصر لهم نحو الساعة الثانية بعد الظهر، وأسروا الغازي شكري باشا وأركان حربه، وقد تباينت الأقوال في تسليم شكري باشا، فادعى الصربيون أن رجالهم أسروه فكذبهم البلغاريون، على أن شكري باشا نفسه ذكر في حديث تناقلته الجرائد أنه سلم إلى البلغاريين، وكانت غنيمة هؤلاء مئات من المدافع، وأسروا نحو أربعين ألف رجل،3 وأرسلوا شكري باشا وأركان حربه إلى صوفيا حيث أحسنوا معاملتهم، وأبى ملكهم أن يأخذ منه السيف احترامًا لبسالته، ولكنهم أساءوا معاملة الأسرى العثمانيين وألهبوا أجسامهم بالسياط والحراب على رواية إحدى الراهبات ومراسل التيمس، وليس في هذا العمل - إن صح خبره - شيءٌ من الإباء والأنفة التي يجب أن يتحلى بها الشجعان. وقالت جريدة لوكال انزيجر في وصف أدرنه بعد سقوطها: «أنها كانت هائجة مائجة، وكان البلغاريون والأروام يهجمون على منازل المسلمين فينهبون ويسلبون ويرمون من قاومهم بالرصاص، حتى كنت ترى جثث القتلى متراكمة في الشوارع. وذكر مراسل التيمس ما يدل على وقوع حوادث فظيعة بعد سقوط المدينة، ولكن النظام ما لبث أن توطد في أنحائها، ودخلها ملك البلغار فزار جامع السلطان سليم الشهير، وكان الأهالي البلغاريون والأروام واليهود يستقبلونه بالأعلام والرياحين، أما خسارة البلغاريين والصربيين في تلك الهجمات فيرى المراسلون الحربيون أنها بلغت نحو 15 ألف رجل على أقل تقدير. وأما خسارة العثمانيين فهي ما بين 7 و 10 آلاف، ومما يحسن بنا التنبيه إليه عند تقدير الخسارة أن البيان الرسمي الدقيق لكل معركة لم يتصل بنا حتى الآن، وأن القواد العثمانيين لم يهتموا بإحصاء قتلى الجنود (كما روى الماجور هوشوختر الألماني الذي كان معهم) ، بل كانوا يحصون الضباط القتلى فقط، ولعلهم ينشرون التفصيل الدقيق بعد الصلح، والراجح أن الاختصاصيين سينشئون مؤلفاتٍ خاصة مفصلة من الوجه الحربي لحصار أدرنه كما أنشئوا لحصار بلفنا.»
أما تأثير سقوط أدرنه فقد كان عظيمًا أليمًا في عاصمة الدولة واهتمت به الأندية السياسية؛ لأن الدول خافت أن يُرسل البلغاريون مائة ألف جندي من جهات أدرنه إلى جتالجه، وأن يصروا على دخول الأستانة ولو عظمت خسارتهم فينفتح حينئذ باب مسألة آسيا العثمانية التي تريد الدول تأجيلها، وكانت روسيا نفسها تأبى أن يقف البلغاريون أمام آيا صوفيا ...
سافر الموسيو ميسيمي وزير الحربية الفرنساوية سابقًا إلى أدرنه ليرى بعينه طريقة تحصينها وفعل المدافع الفرنساوية فيها، ويُحادث قواد البلغار فيما يرجو منه فائدة حربية، وبعد التحقيق أنشأ عدة فصول قال في أحدها ما جوهره: كان الفكر الشائع أن أدرنه التي أشرف على تحصينها جماعة من أكابر الاختصاصيين الألمانيين فحولوها إلى موقعٍ حديثٍ تحيط به الحصون المحمية المرصوصة، لا يمكن أن تؤخذ إلا بالجوع أو بحصارٍ طويل الأمد، لكن هذا الرأي كان بعيدًا عن الصواب كما تحققْتُ بعد أن سمح لي الجنرال إيفانوف بزيارة جميع خطوط التحصين والوقوف على ما قلَّ وجلَّ.
إن أدرنه لديها مرتفعات متوسطة على مسافة خمسة أو ستة كيلومترات، ومنظرها يدلُّ على أنها منيعة وأن الدفاع عنها سهل؛ لعدم وجود غابات أو جدران وما شاكلها من الأشياء التي تحول دون الاستطلاع، ولما كانت سنة 1911 زادتها الحكومة العثمانية تحصينًا فأنشأت السكك الحديدية الضيقة بين الحصون كما ترى في المواقع الفرنساوية الشرقية، ونصبت فيها المدافع الضخمة وأعدت لها مقدارًا كافيًا من الذخيرة، ووضعت في الأقسام التي رأتها أشد استهدافًا من غيرها بطاريات محمية بدلًا من البطاريات المكشوفة التي يسهل إسكاتها، ثم وضعت الأسلاك ذات الأشواك أمام الحصون فأصبح أخذها عنوةً من أصعب الأعمال، ولا سيما إذا كان فيها جنود راسخو العزيمة، وأحضرت منيرات كهربائية (بروجكتور) للاستطلاع.