فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 121

الحربية، وها إن التاريخ يضم اليوم إلى صحائفه التي تكتب عن الحرب البلقانية صفحات الخطأ والانهزام الشائن الذي حدث في قرق كليسا، وصفحات الجوع وخلل إدارة الميرة في لوله بورغاز، ولا ينسى صفحات الفخر الكبير لقائد أدرنه وقائد بانيا، ولأسعد باشا الذي حارب تسع ساعات ونصفًا وهو لا يملك ذخيرة ولا ميرة، فإذا كانت المصائب تعلِّم الأمم وكان صحيحًا أن الأمة لا تصلح خللها إلا بعد كارثة شديدة، فإن الواجب على العثمانيين أن يعتبروا بما فات ليبرهنوا للعالم أنهم قريبون من الحياة الحقيقية.»

وقرأنا في الجرائد الفرنساوية التي صدرت في النصف الأول من شهر أبريل الماضي أن عددًا كبيرًا من الفرنساويين عقدوا اجتماعًا في باريس تحت رئاسة الموسيو بويش وزير الأشغال الأسبق، فألقى الأستاذ ألفريد دوران خطبة عن تركيا وحالتها، ثم طلب إلى الحاضرين أن يوافقوه على إرسال كلمة إعجاب لشكري باشا فوافقوه بإجماع الآراء بين الهتاف والتصفيق، وكلفوا السفير العثماني أن يبلغ شكري باشا إعجابهم وميلهم العظيمين «للبطل الذي يجب أن تكون شجاعته ومقاومته مثالًا لمن يشغفه حب الوطن في ساعة الخطر.»

وروت التان: أن البلغاريين أنفسهم لقبوه «بأسد أدرنه» .

حسبما تقدم من الشهادات الأجنبية، ويجدر بنا أن نذكر لخدمة التاريخ انتقادًا وُجه على ذاك البطل المقدام، وهو أنه لم يخرج أيام المعركة الفاصلة في لوله بورغاز، مع أن مثل هذا الخروج كان يمكنه أن يفيد الجيش العثماني فائدة كبيرة؛ لأن النصر بقي يترواح يومًا كاملًا بين البلغاريين والعثمانيين، وممن أشار إلى هذا الإحجام خليل بك والي أدرنه حيث قال: «إن القائد العام طلب من شكري باشا عند ابتداء معركة لوله بورغاز أن يعدَّ جيشًا ويخرج به من أدرنه ليقطع خط الرجعة على البلغاريين، فأبى شكري باشا لاعتقاده أن إنقاص الحامية يفيد العدو.»

ثم نقل خالد بك رواية لأحد أمراء البلغار قال فيها: «لقد خفنا وصول المدد من أدرنه، وأخذنا نستعد للتقهقر في لوله بورغاز، ولكنا أردنا أولًا أن نستطلع طلع الأتراك، ولما علمنا أنهم تركوا مواقعهم وأن أدرنه لم تُرسل إليهم نجدات عدنا إلى التقدم.»

على أن مراسل التيمس في تراقيه بعث بمقالة عن حصار أدرنه ذكر فيها أن شكري باشا لم يقصر في الخروج، وأنه لما فشل في الانضمام إلى الجيش بعد نشوب القتال في قرق كليسا، كان السبب في فشله انقطاع الأخبار لعدم وجود «قلم مخابرات» ، فهو قصد إلى الجهة التي كان يظن العدو نازلًا بها فوجدها خالية فذهبت حركته أدراج الرياح، ثم خرج غير مرة قبل تشديد حلقة الحصار، وحدث عند تقهقر العثمانيين أنه خرج أيضًا وكاد الأعداء يدخلون القلاع من خلفه، ولكن رفعت باشا أدرك مقصدهم وجمع الطوبجية المسلحين بالقرابينات؛ (لأنه لم يكن يثق بالرديف) ، وزحف بهم إلى الجهة التي تقدم منها البلغاريون، فانخدع هؤلاء بهجومه وفشلوا في اغتنام الفرصة، فتمكن عندئذ شكري باشا من الرجوع إلى مواقعه.

وكان البلغاريون يصرفون الجهد إلى إضعاف عزائم الحامية، فمن أعمالهم التي ذكرها والي أدرنه والموسيو جينيه قنصل فرنسا الذي كان محصورًا، أنهم أرسلوا طيارًا بعد فشل الجيش العثماني إلى ما فوق المدينة، فأخذ يرمي عليهم من الجو منشورات جاء فيها أن البلغاريين إنما يحاربون الحكومة العثمانية ولا يرتكبون عملًا ضد المسلمين، ولا يريدون سفك الدماء بل يرمون إلى غرض وحيد، هو توطيد أركان الأمن في البلقان، ثم ذكروا أن أربع دول أحاطت بالأملاك العثمانية في شبه جزيرة البلقان، وأن بابا اسكي ولوله بورغاز وديمتوقه واسكوب وبرشتينا وقومانوا (أي قومانوفو) والاصونا وغيرها من المدن العثمانية العظيمة أصبحت في أيديهم وتحت سلطانهم، وأن أدرنه حوصرت من كل جهة فصار من المستحيل إرسال المدد إليها من الأستانة، وإن أمام أدرنه ألف مدفع بلغاري، فإذا لم تسلم المدينة كان نصيبها الدمار والخراب.

ولما اطلع شكري باشا على تلك المنشورات أصدر منشورًا أظهر فيه قوة قلاع أدرنه وذكر جملة حوادث فظيعة منسوبة إلى البلغار.

ومنها؛ أنهم أرسلوا مندوبين إلى شكري باشا ليشرحوا له ما أصاب الدولة العثمانية، ويُظهروا أن كل مقاومة أصبحت عبثًا، وعرضوا عليه أن يخرجوا الحامية بسلاحها وشرفها العسكري، فأبلغهم أنه يرفض التسليم كل الرفض، وبقيت الحرب سجالًا فردت حامية أدرنه هجمتين عنيفتين وهجمات صغيرة لا تعد، وإذا صح ما رواه الكولونل بوكابيل فإنها خسرت منذ ابتداء الحصار إلى يوم الهدنة (التي أبلغ خبرها إلى الحامية في 8 أو 9 ديسمبر) 15000 بين قتيل وجريح، وخسارة البلغاريين 10000 رجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت