فبناءً على الحق الذي لي والواجب الذي عليَّ أوجه الكلام إلى جلالتكم في هذا الوقت العصيب، فإن الأمتين الصربية والبلغارية فوضتا إلى روسيا في معاهدتهما أن تحل ما يمكن حدوثه بينهما من المشاكل عند تنفيذ تلك المعاهدة، فأطلب إلى جلالتكم أن تحافظوا على عهدكم وأن تُنيطوا بروسيا حل الخلاف القائم بين بلغاريا وصربيا.
ثم ختم القيصر كتابه بأن روسيا تحفظ لنفسها حرية العمل، وأن الأمة التي تبدأ بإعلان الحرب على الأخرى تكون مسئولة أمام الصقالبة ...
على أن هذا الكتاب القيصري برغم ما ينطوي عليه من التهديد والسخط لم يُجد نفعًا ولم يحبس طمعًا بل أحدث استياءً في نفس النمسا؛ لأنها لا تريد أن تسمع تلك اللهجة من القيصر، وفي نفس الحزب البلغاري المعارض للنفوذ الروسي (وهو المعروف بحزب ستمبولوف) . ولما قوي تيار الأفكار الحربية في صوفيا سقطت وزارة جيشوف الذي كان ميَّالًا إلى السلم، وأصبحت الحرب لا مناص منها ولا مندوحة عنها، ولا سيما بعد أن تفتحت الجروح القديمة وتنبهت الضغائن الكامنة على إثر الحوادث، فتذكر الصربيون فشلهم في الحرب التي نشبت بينهم وبين البلغار منذ أعوام، وتذكر اليونانيون الفظائع التي أحدثتها العصابات البلغارية في القرى اليونانية بمقدونيا سحابة عشر سنوات، فهاجتهم كما هاجت أعمال العصابات اليونانية في القرى البلغارية دماء البلغاريين.
فالطمع والحقد القديم كانا إذن يدفعان البلقانيين إلى الحرب، وكفى بهما عاملين عظيمين.
أدخل الغرور على البلغاريين أن عددًا قليلًا من جنودهم يمكنه أن يقهر عددًا جمًّا من الصربيين واليونانيين، وقام في أذهانهم أن ساعة تأليف بلغاريا الكبرى أصبحت قريبة، فأصدر قوادهم الأوامر إلى الجنود البلغارية المرابطة أمام الجنود الصربية بأن تتقدم منذ 30 يونيو، فزحفت على طول خطها وطردت مقدمات الجيش الصربي واحتلت مواقعها، وأجمع المراسلون الذين يعتدُّ بأقوالهم على أن وزراء البلغار وكبار قوادهم ظنوا أن طرد الصربيين من مواقعهم يجعل بين يدي الحكومة البلغارية ضمانات تنفعها في مؤتمر بطرسبرج إن تم عقده، كما ظنوا أن هذا العمل سهل على الجيش الذي فتح أدرنه.
غير أن الصربيين لم يكونوا غافلين بل أرصدوا قوة عظيمة من جيشهم وراء الخط الأول للقتال، وما بلغهم اعتداء البلغاريين في ليل 29 - 30 يونيو حتى أرسلوا النجدات القوية إلى جنودهم، وما جاء ظهر أول يوليو حتى استردوا جميع المواقع التي احتلها البلغاريون، إلا ما فقدوه من جهة الميمنة فإن الجنود البلغارية بقيت ناجحة هناك، ولكن هذا النجاح الجزئي لم يعوض البلغار ما فقدوه على طول الخط ولم يلبثوا أن شعروا بحرج موقفهم، ثم تقدم الجيش الصربي الأول واجتاز زيتوفسكا في 3 يوليو، ثم احتل كوشانه في 5 منه، وقسم جيش الجنرال كوفاتشيف البلغاري قسمين، ولما تم هذا النجاح للجيش الصربي الأول التفت القائد العام إلى تحسين حالة الجيش الصربي الثالث بدلًا من أن يواصل الزحف إلى حدود البلغار ويحصرها مع الجيش اليوناني، فانتفع البلغاريون من هذا الاحتراس الذي أبداه القائد الصربي العام، وتقهقروا من وادي سترومجه (ستروميتزا) ، وقد انتقد بعض الكُتَّاب الحربيين على القائد المشار إليه أنه أضاع فرصتين كان يمكنه فيهما أن يفتك بالبلغار لو واصل الزحف بعد النصر.
ولكن مكاتب التان يعتذر عنه بأن هناك سببين حملاه على ذاك الاحتراس؛ أولهما: أن إرسال معظم قواته للتلاحم مع البلغاريين في جهة واحدة يجعل من الصعب إرسال النجدات إلى النقط الضعيفة عند اقتضاء الحال، والثاني: أن الحكومة الرومانية قامت من جهة أخرى تعبئ جيشها لتقذف به على بلغاريا، ثم أن الجيش العثماني أخذ من جهة ثالثة يستعد للزحف من بولاير وجتالجه إلى تراقيه كما سترى، واليونان كانوا يزحفون إلى جانب الجيش الصربي؛ أمام هذا الموقف الصعب الذي وقعت فيه بلغاريا لم يجد القائد الصربي حاجة ماسة إلى الإسراع وإلحاق الخسائر بجيشه، ولا سيما أن المعارك الأولى التي جرت كانت من أشد الوقعات هولًا وفتكًا؛ خسر فيها الصربيون نحو ثلاثين ألف رجل بين قتيل وجريح، وخسر البلغاريون أكثر من هذا العدد. فقال القائد في نفسه: إن الزمان يشتغل لنا، ثم أخذ يتحصن أمام البلغاريين على مسافة طويلة بدلًا من أن يهاجمهم، وصار البلغاريون يتحصنون أيضًا أمام الصربيين وتمكنوا من الوقوف عند كستنديل.
وبينما كان الصربيون على تلك الحال ينتظرون وصول اليونان إلى الجهات التي على مستوى مواقعهم التي تحصنوا فيها، تمكنت يد السياسة من عقد الهدنة التي تلتها معاهدة الصلح، فبقي الجيش الصربي والاثنا عشر ألفًا من رجال الجبل الأسود الذين كانوا معه محتفظين بمواقعهم حتى صدر أمرٌ بصرف الجيش البلغاري.
ولما رأى البلغار فشلهم واعتقاد الناس أنهم البادئون بالشر حاولوا أن ينفوا عنهم تهمة الاعتداء، ولكن الصربيين نشروا أوامر صادرة من قوادهم بالهجوم على الجيش الصربي وعينوا المكان والزمان اللذين كتبت فيهما تلك الأوامر، وإليك ما