يريدون أخذ أدرنه عنوةً في أوائل الحرب، ثم دلنا الواقع على أنهم أجلوا الهجوم الأكبر على أدرنه إلى ما بعد المعارك الفاصلة. فلندعهم حول أدرنه الآن ونلتفت إلى الجيش البلغاري الأول ثم إلى الجيش الثالث الموكلين بأخذ قرق كليسا من الجهة الشرقية.
رعب حاميتها: المشاهد الأليمة
تقدم أن الجيش البلغاري الأول زحف إلى الوسط فيما بين الجيش الثاني الذي سار إلى جهة أدرنه، والجيش الثالث الذي قصد قرق كليسا، وكان غرض الجيش الأول على الأخص أن يعضد الجيش الثالث في أخذ قرق كليسا عنوةً واقتدارًا ولو كبرت خسارة البلغاريين؛ لأن الإبطاء يُفسد عليهم خطتهم، ولكن مساعدته انحصرت في قتال جانب من العثمانيين ومنع كل صلة بين قرق كليسا وأدرنه، وكان الفوز حليفه في ذاك القتال، ثم ذهب عدد عظيم منه إلى جهات أدرنه فانضم إلى الجيش الثاني.
أما الجيش الثالث المذكور فقد اجتاز الحدود العثمانية في 19 أكتوبر؛ أي بعد إعلان الحرب بيوم واحد، وكان مقسومًا إلى أربعة أقسام؛ قسم الميمنة: الذي سار نحو أركلر، وقسمي القلب: اللذين اتجها نحو قرق كليسا، وقسم الميسرة: الذي زحف شرقي سترانجه طاغي.
وكان أول خط منيع للعثمانيين قائمًا على نحو 8 كيلومترات شمالي قرق كليسا، وهناك طرق وعرة تساعد على الدفاع، فبقي البلغاريون ثلاثة أيام (20 و 21 و 22 أكتوبر) حتى تمكنوا من صد الجنود العثمانية إلى الموقع نفسه.
ولما أقبلت ليلة 23 - 24 أكتوبر اشتدت الأمطار واكفهر وجه السماء، وما كانت الساعة الثامنة مساء حتى تقدمت 5 أورطتان من الجنود البلغارية نحو موقع قرق كليسا، ثم زحف القسم الذي كان في أقصى الميسرة فجاءت تلك الهجمة البلغارية سببًا في رعب غريب لا يسهل تصديقه عن الجيش العثماني الذي كتب تاريخ مجده بدمه. وكان من نتائج ذاك الرعب أن الفصائل العثمانية أخذت تطلق الرصاص بعضها على بعض في إحدى الجهات، ثم تقهقرت لا تلوي على شيء إلى جهة بابا اسكي بيكار حصار، بدلًا من أن ترجع إلى الحصون والمعاقل التي كانت هناك، وذهب بعضها إلى قرق كليسا نفسها فأسهب وأغرب في وصف الفشل حتى سرت عدوى الرعب إلى بقية الجنود التي كانت في الموقع فأسرعت إلى اللحاق به. وروى الكولونل بوكابيل الفرنساوي والماجور فون هوشوختر أن العثمانيين هم الذين هجموا، خلافًا لرأي محمود مختار باشا الذي كان يعتقد - على رواية الماجور المذكور - أن الجنود لم تكن أهلًا للهجوم، ولا سيما أن عددًا من الضباط والجنود الذين قدموا في ذاك اليوم لم يكونوا يعرفون شيئًا من جهات قرق كليسا، ولما دوى المدفع وصفر الرصاص تقهقرت مقدمة البلغاريين فتبعهم العثمانيون، وإنهم لكذلك إذا بالبلغاريين يكشفون عن خنادق مملوءة بمدافع الميتراليوز والمشاة، فانخلعت قلوب الرديف العثماني رعبًا من تلك المفاجأة وعمد إلى الفرار. وإنه ليشق علينا وايم الحق أن نذكر هذا الحادث الأليم، بيدَ أن خدمة الحقيقة فوق كل شيء، ثم إن القواد والوزراء العثمانيين أنفسهم لم يُنكروا ذاك الرعب الغريب، قال الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان وقتئذ في الأستانة: كنت أتعشى مساء ذاك اليوم (أي بعد سقوط قرق كليسا) عند وزير الخارجية العثمانية، وإني لا أزال أتمثله نصب عيني وهو داخل إلى ردهة الاستقبال أصفر اللون كالح الوجه، وأسمعه يقول لنا بصوت خافت: «لقد وقع حادث ليس له نظير في تاريخنا ... وقع أن جنودنا تركت قرق كليسا من شدة الرعب ... » ثم قص علينا تفصيل الحادث، وذكر أن التلغرافات المتقطعة الدالة على شدة الهلع ترد تباعًا منذ أربع وعشرين ساعة على أركان الحرب، ومنها ما يفيد أن فرسان البلغار هجموا على قرق كليسا مع أن البلغار لم يكن عندهم فرسان، ومنها ما يدل على أن الخسارة عظيمة مع أن الإحصاء الرسمي الذي أرسل إلى الأستانة يدل على أنها لم تزد عن مائة رجل بين قتيل وجريح، ثم قال الوزير بصوت منخفض: «كان عندنا كثيرون من أصل بلغاري أو يوناني في صفوف الجيش ... والضباط قليلون جدًّا ... »
وكتب مراسل الجورنال الحربي في وصف ذاك الهلع: «أنه لما ظهر الهاربون استولى الرعب على متصرف قرق كليسا وأهلها فلاذوا بالفرار، وقصد الأهالي والجنود محطة السكة الحديدية وهجموا على قطر كان مستعدًّا للسفر، ثم حدث اصطدام فخرج القطر عن الخط على مسافة كيلومتر من المحطة، فترك الهاربون القطر ومشوا بضع عشرة ساعة حتى وصلوا إلى بابا أسكي حيث وجدوا القطر الذي أقلهم إلى لوله بورغاز.»
ثم وقع هناك أيضًا حادث موجب للأسف، وهو أن جنود لوله بورغاز أبصروا الفرسان المتقهقرين فظنوهم من فرسان البلغار وأخذوا يطلقون عليهم نارًا حامية، وما أدركوا خطأهم إلا بعد أن غطت الأشلاء الجسر القائم عند مدخل المدينة.