فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 121

الرعب في قلب الفيلق السابع، فكانت خسارة العثمانيين هائلة في ذاك اليوم الأسود؛ لأنهم فقدوا القوة المعنوية ومعظم القوة المادية. ونحو الساعة العاشرة قبل الظهر تقدم الجيش الصربي الأول إلى مدينة كومانوفو واحتل المرتفعات ووادي ليبقوه، ثم أخذ يستولي على مواقع العثمانيين واحدًا بعد واحد.

وفي ذاك الوقت نفسه قاتلت قوة بلغارية جنود قره سعيد باشا فصدتها.

ولقد كانت معركة كومانوفو شؤمًا على الجيش العثماني الغربي، بقدر ما كانت معركة لوله بورغاز شؤمًا على الجيش الشرقي، وبلغت الخسارة العثمانية فيها عشرة آلاف رجل بين قتلى وجرحى و 86 مدفعًا و 300 مركبة للسكة الحديدية. وبلغت خسارة الصربيين 3000 رجل بينهم كثيرون من الضباط. وقيل: إن جميع ضباط الآلاي السابع قُتلوا وجُرحوا ما عدا اثنين.1 •••

بعد تلك الوقعة الفاصلة أخذ الجيش العثماني الغربي يتقهقر إلى جهات مناستر، فسار قسم منه على طريق غستوا والثاني على طريق برلبه، وأجمع المراسلون الحربيون على أن تقهقره وخصوصًا تقهقر الفيلق السابع كان منظرًا يُدمي مقلة العثماني، فلا نظام وافٍ ولا أكل كافٍ ولا مستشفيات نقالة للجرحى، بل شذاذٌ منتشرون على الطريق هنا وهناك أو محتضرون يلفظون النفس الأخير وهم يرتجفون بردًا ويتألمون عطشًا أو جوعًا.

على أن القواد العثمانيين تمكنوا بعد ذاك الرعب من ضم شمل الجنود الباقية، وأخذوا ينكصون وهم يدافعون، ولما وصل الصربيون إلى أشتيب ثار أهلها على العثمانيين وانضموا إلى البلقانيين.

وفي يومي 26 و 27 أكتوبر انقطعت كل صلة بين الجيش العثماني الشرقي والجيش العثماني الغربي، واستولى البلغاريون على الخط الحديدي في ديمتوقه، وحصل الأسطول اليوناني على السيادة البحرية من جهة أخرى، فصار من المستحيل على الجيش العثماني الذي فشل أمام الصربيين أن يتلقى نجدات أو مئونة من الأستانة، فلم يبقَ لدى هذا الجيش إلا مواصلة السير نحو ألبانيا حيث يرجو الحصول على قدر من المؤن، وحيث يرى أراضٍ وعرة تمكنه من المقاومة.

أما الصربيون الذين كانوا يلتهبون شوقًا إلى احتلال ثغر على البحر الأدرياتيكي، فإنهم قرروا أن يواصلوا الزحف ليقاتلوا الجنود العثمانية التي اجتمعت في مناستر، ثم يزحفوا نحو ذاك البحر.

تمكن قائد الجيش العثماني الغربي من الحصول على الوقت اللازم لحشد ما لديه من القوات؛ أي نحو 55 ألف رجل من الحاميات والرديف والألبانيين وبقايا الجيش الذي فشل في كومانوفو وجمع معهم نحو 80 مدفعًا، وكان الفضل في تمكينه من حشدها راجعًا إلى المؤخرة العثمانية التي قاومت الصربيين في قرجوه وبرليبه.

وقبل الكلام على المعركة يجدر بنا أن نذكر للمطالع أن مناستر قائمة على الضفة اليمنى من نهر قرنه عند جبال بابا، ومدخل المضيق المؤدي إلى رسنه فالبلاد الألبانية، وهناك مرتفعات تشرف من الجهة الشمالية على المدينة وتتصل بالضفة اليمنى من نهر سمنيقا.

فلما ضم القائد العثماني شمل جنوده، حفر لها خنادق في السهل القريب من نهر قرنه، وأنشأ خطًّا دفاعيًّا على المرتفعات، وكانت المدينة نفسها محمية ببعض الحصون، ثم رتب جنوده قبل المعركة كما يلي: الميسرة: الفيلق السادس بقيادة جاويد باشا.

القلب: بقايا الفيلق السابع بقيادة فتحي باشا.

الميمنة: الفيلق الخامس بقيادة زكي باشا.

ثم وضع قوة لصد قوة يونانية كانت تتقدم من جهة بانيجه (بانيتز) ، أما الصربيون فقد واصلوا الزحف ولقوا مصاعب كثيرة من المطر والثلج والوحل، وفي 13 نوفمبر تلاقى فرسانهم وعدد قليل من الجيش العثماني في جوار دوبرمير عند الضفة اليسرى من نهر قرنه، فضربوه بالقنابل واضطروه إلى التسليم. وفي يوم 14 منه حمي وطيس المعركة الكبرى ثم زاد اشتدادًا في اليوم التالي، وأصبح ممتدًّا على مسافة خمسين كيلومترًا، فقاسى الصربيون المهاجمون تعبًا كبيرًا من وعورة الأرض وكثرة الأمطار على أنهم صبروا واستمروا على التقدم البطيء، وما كان ليل 16 نوفمبر حتى هجمت ميمنة جيشهم واستولت على المرتفعات القائمة بين أوبلا كوفو وكوسيستا، ثم تمكنوا صباحًا من الإحاطة بالعثمانيين بعد أن خسروا عددًا جمًّا من رجالهم. ولما تم لهم حصر الجنود العثمانية أخذوا يضنون بجنودهم ويعتمدون على مدافعهم الفاتكة، ولكنهم رأوا أن لا بدَّ لهم من هجمة جديدة لأخذ بعض المرتفعات فهبوا في ليل 17 نوفمبر وأخذوها عنوةً. حينئذ طفق العثمانيون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت