وما صدر الأمر إلى الفيلق العثماني الثاني بالهجوم حتى تقدمت بطارياته بحزم وبسالة لحماية مشاته ومساعدتهم على التقدم، لكن البطاريات البلغارية كانت أقوى منها فأسكتتها بعد حين، وبقي المشاة العثمانيون يزحفون فأخذوا بعض المواقع البلغارية الأمامية، ولكنهم ما لبثوا أن وقعوا بين نيران المشاة والبطاريات البلغارية، فاضطروا إلى الرجوع بعد خسارة عظيمة، وقد حاولت بعض البطاريات العثمانية الأخرى أن تحميهم ساعة التقهقر فلم تفلح؛ لأن مدافع البلغاريين كانت تفعل فعلًا ذريعًا.
وكان الفيلق الثالث في ذاك الوقت يحاول الوصول إلى بيكار حصار ويُبدي من البسالة ما اعترف به الأعداء، ولكن الجنود البلغارية التي كانت تحت إمرة الجنرال كريستوف أفلحت في صدِّه، فحاول الفيلق العثماني الثاني أن يعضده مرة أخرى فلم ينجح.
غربت الشمس وخيم الغسق في ذاك اليوم الأسود، والذخائر نادرة لدى الجيش العثماني، والتعب شديد فاتك، والنجدات غير موجودة، والجوع يأكل من أحشاء الجنود، وما كان أحد يظن أنها تصبر على تلك الوقعة الهائلة وأن معظمها يُدافع ذاك الدفاع الحسن وأمامها ثلاثة أعداء؛ الخلل والجوع والجيش البلغاري.
ولزيادة نكد الدنيا عليها أن الجيش البلغاري الثالث أراد نحو الساعة التاسعة مساءً أن يوالي الهجوم ليزيد الجيش العثماني ضعفًا في جهة ترك بك، فشاء سوء الطالع أن تكون في تلك النقطة بقايا الفيلق الأول الذي فقد قوته المعنوية بعد قرق كليسا، فما ظهر البلغاريون حتى غادرت تلك البقايا موقعها، وما حلت الساعة الحادية عشرة مساء حتى كانت الجنود البلغارية على المرتفعات التي تشرف على ترك بك ثم اجتازت نهر «قره أغاج دره سي» .
31 أكتوبر؛ وفي صباح اليوم التالي أخذ البلغاريون يوسعون الفرجة في مقدمة الجيش العثماني، ونصب الجنرال كوكانتشيف مدافعه على المرتفعات وأخذ يضرب ميسرة الجيش العثماني، فلم ترَ بُدًّا من التقهقر نحو جورلو (تشورلو) .
على أن محمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث لبث يقاوم من الجهة الشرقية برغم ما جرى، حتى كان موضوع الإعجاب هو ورجاله.7 إلا أن البلغاريين الذين ظفروا في جهة القلب هاجموه من الجهة اليمنى ثم أرسلوا فرقة احتياطية من الجهة اليسرى إلى قوة الجنرال كريستوف، فرأى حينئذ محمود مختار باشا أن الأعداء كادوا يحيطون به فأصدر أمره إلى فيلقه بالتقهقر، وبقي النظام على ما يُرام بين صفوفه، بعكس ما جرى في بقية الجيش.
أما خسارة العثمانيين في تلك المعركة الهائلة، فيقول الكولونل بوكابيل: إنها تبلغ على التعديل المتوسط الخالي من كل مبالغة نحو 25 ألف رجل بين قتيل وجريح، ونحو 3000 أسير و 42 مدفعًا، وأما خسارة البلغاريين فتبلغ نحو 15000 (وبعض المراسلين يقول إنها أعظم من هذا العدد) . ومما يذكرونه أن عدد كل من الآلايين الأول والثاني من مشاة البلغار نزل مساء 30 أكتوبر من 7000 إلى 700 رجل.
وفي خلال تلك الأحوال ورد على البلغاريين أن الصربيين انتصروا في معركة فاصلة بقومانووا (كومانوفو) ، وأنهم يقدرون على إرسال جيشهم الثاني إلى أدرنه لمناصرة البلغاريين حول ذاك الموقع، فجاء هذا الخبر بردًا وسلامًا على قلوب البلغاريين؛ لأن إرسال الجيش الصربي الثاني يمكنهم من أخذ فرقتين من الجيش المحاصر لأدرنه، وكانت حكومتهم وقتئذ تنفذ أمرًا صادرًا في 25 أكتوبر بدعوة طبقتين من الرديف (1912 و 1913) عدد رجالهما نحو 80 ألفًا.
تقدم أن الفيلق العثماني الثالث اتجه نحو جتالجه بترتيب ونظام، وظهر من عدد المدافع التي غنمها البلغاريون بعد المعركة الكبرى أن معظم المدافع العثمانية بقي مع الجيش العثماني المتقهقر، كما يؤخذ التحقيق الذي أجراه الكولونل بوكابيل قبل تأليف كتابه عن الحرب البلقانية. ثم ظهر من كلام هذا الكاتب الحربي المحقق أن البلغاريين لم يزحفوا لا في اليوم التالي ولا في الثالث ولا في الرابع وراء الجيش العثماني لمطاردته، خلافًا لما ذكره مراسل الريشبوخت وغيره، فإن هذا المراسل (الذي روى في أوائل الحرب ما يعتمد عليه وما أيده سائر المراسلين) اعتمد على خبرٍ في جريدة مير البلغارية، فبنى عليه وصف معركة هائلة بعد لوله بورغاز، ولكن مراسلي التيمس والطان ما لبثا أن كذباه ثم أصدر أركان حرب الجيش البلغاري موجزًا للأعمال الحربية، اتضح منه أن الجيش البلغاري لم يتأثر بالعثمانيين وأن هؤلاء لم يضطروا إلى اقتحام أية معركة في مدة تقهقرهم إلى جتالجه، قال مراسل التيمس: إن البلغاريين لم يزحفوا من لوله بورغاز إلا بعد ستة أيام من يوم المعركة الكبرى، وأن مؤخرة الجيش العثماني المؤلفة من فرقتين تركت جورلو من غير أن تطلق رصاصة واحدة في مدة ستة أيام، وفي اليوم السابع أخذ البلغاريون يزحفون، وكان الفرسان العثمانيون المعروفون باسم «الفرقة المستقلة» لا يزالون في جورلو فساروا أمامهم.