من 3 إلى 17 أكتوبر
أصح ما نُشَبِّه به السياسة قبل إعلان الحرب ببضعة عشر يومًا بحرٌ عجاج متلاطم الأمواج، يقذف بالدول تارة إلى مينا الأمان وتارة إلى لجة الخطر، وليس أدل على حالة السياسة العامة في ذاك الوقت من الوقوف على الأقوال الرسمية والشبيهة بالرسمية.
والمستفاد من تلك الأقوال التي كانت تنشرها الجرائد الكبرى أن أوروبا عرفت بتعبئة جيوش البلغار والصرب واليونان، ثم سمعت بأن المدفع أخذ يُغني نغمة الشؤم على حدود الجبل الأسود، وبقيت تؤمل تبديد الغيمة السوداء التي تكاثفت في جو البلقان.
لكن ذوي النظرات الصادقة الذين قابلوا السياسيين البلقانيين وأدركوا مقاصدهم عرفوا منذ أوائل أكتوبر أن كفة الحرب رجحت كل الرجحان، فصار عود المياه إلى مجاريها غير مأمول، وإليك ما كتبه الموسيو رينيه بيو في 5 أكتوبر بعد أن قابل ساسة البلغار في صوفيا: في هذا الصباح وقف ملك البلغار في مجلس النواب وهو عاري الرأس فاتجهت إليه الأنظار كل الاتجاه، وأخذ الحضور يهتفون له هتافًا طويلًا، ثم افتتح فصل الجلسات غير العادية وطلب من النواب أن يوافقوا على مبلغ خمسين مليون فرنك لنفقات عسكرية استثنائية، ويُرجح أن تكون الموافقة النهائية على هذا المبلغ يوم الاثنين القادم؛ لأن جميع الأحزاب البلغارية متفقة كل الاتفاق.
أما الاتفاق بين الدول البلقانية فهو تام مستحكم الحلقات، والمساعي التي قامت بها تركيا لفصل المملكة الصربية عنها كان نصيبها الحبوط، أما رومانيا فقد ورد خبرٌ أكيد من بطرسبرج بأنها تلزم الحياد، وأما النمسا فلا تنوي المداخلة، والبلقانيون ينتظرون الآن نتيجة السعي الأخير الذي تقوم به الدول في الأستانة، وينوون نيَّةً راسخة أن لا يكتفوا بوعود مبهمة، والبلغاريون يريدون لتركيا أوروبا استقلالًا إداريًّا مؤسسًا على الجنسيات؛ نعني أنهم يريدون تقسيمها إلى ثلاث مناطق؛ الأولى: بلغارية، والثانية: صربية، والثالثة: يونانية. ويطلبون لكل منها مجلسًا وطنيًّا وحكامًا مسيحيين يُعَينون بعد موافقة الدول، ثم تؤلف فيها جندية محلية، وتُصدر حكومة الأستانة أوامرها إلى الجنود العثمانية بالخروج عاجلًا من تركيا أوروبا.
كفى المرء أن يطلع على ما تقدم ليعلم أن حكومات البلقان أرادت أن تطلب مطالب لا يمكن قبولها لتحرج الحكومة العثمانية فتخرجها عن سجيتها، وكان من نية البلقانيين في ذاك الحين أن لا يتسرعوا ولا يعلنوا الحرب إلا في منتصف أكتوبر بقصد أن يُبقوا للدول وقتًا كافيًا للحصول على جواب من الباب العالي في شأن الإصلاح، وليتمكنوا من إتمام التعبئة والحشد في المواقع التي عينوها في خطتهم الحربية. وبعد أن يتم لهم ما أرادوا من هذين الوجهين يرسلون مذكرة إجماعية إلى الحكومة العثمانية يبسطون فيها مطالبهم ومقترحاتهم، فإذا ورد الجواب العثماني «بنعم» بلغوا ما يتمنون من استقلال تركيا أوروبا، وتقدموا خطوات واسعة بلا حرب ولا ضرب نحو غايتهم الكبرى، وإذا ورد الجواب «بلا» عمدوا إلى إعلان الحرب من غير أن يدعوا للدولة العلية وقتًا طويلًا يضر بخطتهم الحربية.
وما كان اليوم السابع من شهر أكتوبر حتى تمت تعبئة الجيش البلغاري وأخذ يزحف إلى المواقع المعينة له. وروى مراسل التان الحربي أن تعبئته تمت في ستة أيام، ثم وردت أخبار من عاصمة الصرب وعاصمة اليونان تُنْبئ بالتعبئة أيضًا.
كان ذاك كله يجرى في البلدان البلقانية، والدول العظمى تسعى لدى الباب العالي في حمله على قبول مذكرتها، التي تطلب فيها الإصلاح عملًا بمقتضى المادة الثالثة والعشرين من مؤتمر برلين، ثم اتفقت على إبلاغ مشيئتها إلى دول البلقان لعلها تحترمها وتعدل عن الحرب، وكلفت روسيا والنمسا أن تبلغا تلك المشيئة بالأصالة عن نفسيهما والنيابة عن سائر الدول إلى حكومات صوفيا وبلغراد وأثينا، فقابل معتمدا الدولتين ذوي الشأن في العواصم البلقانية، وأبلغاهم أولًا: أن الدول العظمى تُنكر أشد الإنكار كل تدبير من شأنه أن يقطع حبل السلم، ثانيًا: أن الدول تأخذ على عاتقها إجراء الإصلاح في تركيا أوروبا عملًا بالمادة الثالثة والعشرين من معاهدة برلين، وأنها ما برحت تحتفظ بسيادة جلالة السلطان وبسلامة أملاك السلطنة، ثالثًا: أنه إذا قامت الحرب خلافًا لمشيئتها بين تركيا والدول البلقانية فإنها - نعني الدول العظمى - لا تسمح بأي تغيير في خريطة تركيا أوروبا.
هذا جوهر البلاغ الدولي إلى حكومات البلقان، وسيرى القارئ أنها داسَتْه بكعوب الأرجل حين طلع طالع النصر على الرَّايات البلقانية. ومما يجدر بالذكر هنا أن الموسيو جيشوف رئيس وزارة البلغار أجاب معتمدي روسيا والنمسا حين قابلاه وأوقفاه على بلاغ الدول بقوله: «يا للأسف، إنَّا عبَّأنا جيوشنا.» وهذا الجواب يشبه جواب روسيا للورد لوفتوس سفير إنكلترا حين أراد منع الحرب بين الدولة العلية وروسيا سنة 1877، فكأنما المقادير أرادت أن يقوم الشبه بين مقدمات الحرب