فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 121

تلك حالة الأستانة بعد لوله بورغاز، فنحن ندعها الآن مع مشاغلها السياسية ومفاوضتها المتواصلة للدول، لنرى ما جرى في جتالجه نفسها بعد وصول الجيش العثماني وزحف الجيش البلغاري.

جتالجه

جتالجه؛ اسم ملأ الدنيا فكم تداولته ألسنة الملايين في العالمين، وكم خفقت لذكره قلوب، وجاشت مطامع، وقلقت أفكار، واشْرَأبَّت أعناق وشخصت أبصار ...

جتالجه، لا عجب في بلوغ العناية بكِ ذاك المبلغ فأنت الحاجز الوحيد بين الأعداء المنصورين ودار الخلافة، وعاصمة السلطنة، ومدينة الذهب، وملتقى البرين والبحرين، ومركز فروق، والموقع الذي اهتزت له أوروبا يوم بلغه الروس سنة 1878.

تاللهِ لقد أصبح العثمانيون وكأنهم في حلم يوم زحف الجيش البلغاري إلى ذاك الموقع، وأخذوا يسمعون ما لم يكن يخطر في خاطر ولا يفكر فيه فاكر، يسمعون الناس يتساءلون: «لمن تكون الأستانة؟» ثم يسترسلون إلى التكهن والتخمين على صفحات الجرائد الكبيرة، فواحد يقول قول الموسيو بوانكاريه: إن الأستانة وما حولها تبقى لتركيا، وآخر يقول: بل تُعطى للبلغار، وثالث يقول: لا بل توضع تحت حماية الدول وتكون إمارة مستقلة، ورابع يرى أنها ستكون لروسيا.

اللهم اشفِ المريض واجعلهم من المخطئين ...

تركنا الجيش العثماني فيما تقدم يهتم بضم شمله وتعزيز قوته وتحصين خط الدفاع في جتالجه، وتركنا الجيش البلغاري زاحفًا نحوه بعد أن وقف بضعة أيام للأسباب التي أوضحناها في بابٍ سابق.

ويحسن بنا قبل الكلام على معارك جتالجه أن نصف ذاك الخط بإيجازٍ، قال الكولونل بوكابيل: إن خط جتالجه - أو بالأولى - خطوطها الدفاعية هي عند الجانب الشرقي من وادٍ هناك واقع بين بحيرة جكمجه وبحيرة ترقوس، والمسافة بين البحيرتين 25 كيلو مترًا، وأعلى نقطة من الوادي واقعة عند قرية اسمها بالتركية طاغ يكي كوى. والوادي يحتوي على منطقتين من المستنقعات.

ولما نشبت الحرب الروسية العثمانية حصنت الدولة تلك الخطوط بعض التحصين، ثم زادتها تحصينًا بعد سنة 1878 تحت مراقبة بلوم باشا، وأهم خط منها يجاور ربوة يبلغ ارتفاعها عن البحر 200 متر، ويمتد من شرقي بحيرة جكمجه إلى جهة قره برون شرقي بحيرة ترقوس عند البحر الأسود.

وفي سنة 1883 طلبت الحكومة العثمانية إلى الجنرال بريالمون أن يرسم خطة دفاعية دائمة للأستانة، فنصح لها بأن تحوِّل خمسة حصون صغيرة إلى حصون حديثة هناك، على أن قلة المال حالت دون العمل بنصيحته، فبقيت حصون جتالجه كما كانت. وما اهتمت الحكومة العثمانية بها اهتمامًا صحيحًا إلا في النصف الثاني من شهر أكتوبر أي بعد إعلان الحرب، فنُصبت المدافع وحُفرت الخنادق بين الحصون، على أن مدافع الحصار كانت قليلة.

وقبل وصول الجيش البلغاري رتب ناظم باشا الفيالق على تلك الخطوط، فوضع الفيلق الأول في جهة أحمد باشا وهي أقل استهدافًا من سواها لنيران العدو، ووضع الفيلق الثاني في الجهة الممتدة من أحمد باشا إلى البحر الأسود، وأوقف الفيلق الثالث أي فيلق محمود مختار باشا في أشد المواقع خطرًا، وأبقى الفيلق الرابع احتياطيًّا وراء الفيلق الثاني، وترك الرديف الاحتياطي وراء الفيلقين الثالث والأول، أما المعسكر العام فكان في خادم كوى.

نلتفت الآن إلى البلغاريين، فإنهم بعد ما وقفوا إلى 6 نوفمبر عمدوا إلى التقدم نحو جتالجه، فزحف جيشهم الثالث إلى جركس كوى وسترانجه، وتقدم جيشهم الأول من الجهة اليمنى وبلغ قلبه جورلو، وسارت بعض فصائل إلى جهة بحر مرمرة لتحتل جهات رودوستو، وكانت رودوستو مستودعًا لمقدار عظيم من المؤن والذخائر وقاعدة لغذاء الجيش العثماني في تراقيه، وكانت البوارج مسعودية وحميدية وعصر توفيق تحميها مع طابور من الجنود، وما وصلت طلائع البلغاريين في التاسع من أكتوبر حتى أخذ العثمانيون يستعدون لنقل مؤنهم وذخائرهم، ولما هجمت القوة البلغارية عليها في 10 نوفمبر كانت منقولة إلى البحر، ولم يتمكن العثمانيون من الدفاع قبل نقلها إلا بفضل بطاريات البوارج المذكورة، ولم يقدر البلغاريون على دخولها إلا في 11 أكتوبر أي بعد أن تركها العثمانيون وأخذوا ما كان فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت