فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 121

أرتنا مقدمات الصلح التي أمضيت في لندرا أن النتيجة المادية لتلك الحرب المشئومة هي خسارة الدولة العلية لمعظم أملاكها في تركيا أوروبا، فبقي أن نبحث في النتائج السياسية التي أسفرت عنها، وهي قسمان داخلي وخارجي، وإليك ما نراه جديرًا بالذكر من القسم الداخلي: كان من نتائج الحرب في أنحاء السلطنة كلها أن الأمة هالها ما ظهر من الخلل في إدارة الجيش الذي كانت تحسبه قويًّا سليمًا قادرًا على صد كل عدو مفاجئ، ثم التفتت إلى بلادها فوجدت طلائع الخراب تهددها من كل باب، ومما زادها خوفًا وهولًا أن الجرائد الأوروبية الكبرى أخذت تنشر الفصول السابغة عن قرب اضمحلال الدولة العثمانية - صانها الله - فهبَّ عند ذاك طلاب الإصلاح ينادون بالإسراع، واتفقوا كلهم على تعميمه في أقصر ما يمكن من الوقت، لكنهم اختلفوا في الطرق المؤدية إليه، فمن الجمعيات التي أُسست للسعي في سبيله «الجمعية البيروتية الإصلاحية» ، وهي مؤلفة من المسلمين والمسيحيين وجامعة لنخبة من الوجهاء والكُتَّاب، ومنها «جمعية اللامركزية» في مصر وأركانها من أفاضل المسلمين والمسيحيين العثمانيين، واسمها يدل على غرضها، وفروعها كثيرة الآن في سوريا والعراق وسائر بلاد العرب وأميركا، ومنها الجمعيات الأرمنية، وأخص مطالبها إجراء الإصلاح تحت مراقبة الدول العظمى.

واجتمع في شهر يونيو سنة 1913 مؤتمر عربي في العاصمة الفرنساوية حضره مندوبون من قبل «اللامركزيين» ، وسافر وفدٌ من «الإصلاحيين» البيروتيين إلى تلك العاصمة أيضًا للسعي في سبيل الإصلاح، فانتقد عليهم جماعة من أنصار الحكومة الاتحادية ذاك السعي في البلاد الخارجية قبل أن تفرغ الدولة العلية من حل مشاكلها.

على أن طلاب الإصلاح ردُّوا ذاك الانتقاد بقولهم: «إن اجتماعنا في بلاد الدولة غير ممكن لشدة ما تُظهره الحكومة من الضغط، وليس يضر عثمانيتنا أننا اجتمعنا في بلادٍ أجنبية، فقد كان رجال تركيا الفتاة أنفسهم يجتمعون مثلنا أيام كانت الحكومة السابقة تحول دون اجتماعهم تحت سماء عثمانية، ثم نحن لا نوقظ فتنة على الحكومة العثمانية بل نريد حملها على الاتفاق معنا على الإصلاح الذي كثرت به الوعود الماضية، ولم يُنجز منها وعدٌ واحد.»

واتفق في ذاك الوقت أن سليمان أفندي البستاني كان في العاصمة الفرنساوية، وأن الأمير سعيد باشا حليم الذي ارتقى إلى منصب الصدارة بعد مقتل شوكت باشا رغب إليه أن يكون وزيرًا للتجارة والزراعة، فاغتنم البستاني تلك الفرصة وباحث مندوبي المؤتمر العربي ومندوبي بيروت، ثم أبلغ مطالبهم إلى الحكومة العثمانية، وأظهر لها وجوب الاتفاق معهم على الإصلاح إرضاءً للأمة العربية الكريمة، فأرسلت الوزارة الاتحادية مندوبين من قبلها فاتفقا مع رجال المؤتمر على إجراء الإصلاح، فكان لعمل الوزارة السعيدية أثر جميل في النفوس، وقالوا: إنها إذا أنجزت ما وعدت، وجب أن يُسطر لها التاريخ أجمل صحيفة؛ لأنها تفتح وقتئذ عهدًا جديدًا لاتفاق العنصرين العظيمين اللذين لا تعيش السلطنة إلا بتضامنهما واتفاقهما.

أما صورة الاتفاق الذي قبلته الحكومة العثمانية فهي: (1) يكون التعليم في جميع البلاد العربية باللسان العربي في القسم الابتدائي والإعدادي، ويكون بلسان الأكثرية في القسم العالي.

(2) يُشترط أن يكون جميع رؤساء المأمورين ما عدا الولاة عارفين اللغة العربية، أما من عداهم من المأمورين فيعينون في الولاية، وإنما يعين في العاصمة القضاة ورؤساء العدلية الذين يُنصبون بإدارة سنية.

(3) الأوقاف الموقوفة للجهات الخيرية المحلية تُترك إدارتها لمجالس الجماعات المحلية.

(4) تُترك الأمور النافعة للإدارة المحلية.

(5) العسكر يخدمون في البلاد القريبة منهم ولكن العسكر الذي يلزم إرساله إلى اليمن والحجاز يكون على نسبة عادلة من جميع المملكة العثمانية.

(6) مقررات المجالس العمومية تكون نافذة على كل حال.

(7) يُقبل مبدئيًّا أن يكون في هيئة الوزارة ثلاثة على الأقل من أبناء العرب، وكذلك يؤخذ منهم عدد مثله بصفة مستشارين أو معاونين في النظارات، ويؤخذ اثنان أو ثلاثة منهم في كل مجلس من مجالس شورى الدولة ومحكمة التمييز ودائرة المشيخة وجميع الدوائر، ويؤخذ أربعة أو خمسة على الأقل في مراكز أخرى مختلفة في كل نظارة.

(8) يُعين خمسة ولاة على الأقل من أبناء العرب وعشرة متصرفين وتُزال «مغدورية» الذين لم يترقوا أُسوةً بأمثالهم من مأموري الملكية والعدلية والعلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت