فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 121

-ثلاثة قروش.

-وهل تُدفع إليك؟

-بانتظام.

-متى تؤمِّل الرجوع إلى أنقرة؟

-بعد شهرين، فإنا قادمون لنزهةٍ حربيةٍ.

-هل تأسف على شيءٍ تركته وراءَك؟

-نعم، آسف على الموسيقيين، ولكنهم لا يلبثون أن يصلوا، ونحن محتاجون إليه لنرقص بنات البلغار على نغمات موسيقاهم.

تلك هي الحالة النفسية عند معظم الجيش يوم إعلان الحرب وهي عامل كبير من عوامل النصر، ولكن سوء الإدارة أودى بها كما يودي السوس بالشجر النضير.

كان أركان حرب الجيش العثماني يجهلون من سرائر الجيش البلغاري وسائر جيوش البلقانيين بقدر ما كان يعرف أركان حرب الجيش البلغاري من شئون العثمانيين، وجُلَّ ما كان يعتقده كبار القواد في الأستانة لا يخرج عما ذاع وشاع من أن الجيش البلغاري منظم والجيش الصربي والجيش اليوناني سارا خطوات كبيرة في سبيل التنظيم، لكنهم لم يكونوا يحسبون حساب التحالف البلقاني ولم يتأهبوا له بوضع خطة حربية عامة، بل كانوا ينظرون إلى الجيش البلغاري على حدة، وما فكروا في الخطة الحربية العامة إلا بعد أن ثبت لهم خبر التحالف بين البلغار والصرب، وإذا كانت الجيوش العثمانية موزعة من قبلُ في أنحاء البلقان فليس توزيعها دليلًا كافيًا على أن الحكومة العثمانية كانت تتوقع منذ مدة مديدة تحالفًا قويًّا عليها.1 ولما وضعت نظارة الحربية العثمانية نظامًا جديدًا للجيش العثماني سنة 1909 على أثر إعلان الدستور، ظهر من حسبانها وما نُشر من بيانها أن الدولة العثمانية سيكون لها قوة حربية لا تخاف معها دول البلقان ولا تكترث لعدوانها، فإن هذا النظام قضى بتقسيم الجيش العثماني إلى أربعة أقسام أو جيوش منها: جيشان للولايات العثمانية الأوروبية، والاثنان الباقيان لسائر أنحاء السلطنة. وجيشا الولايات الأوروبية يمكنهما أن يَتلقَّيا قوة للإبدال أو الإنجاد من جهات آسيا الصغرى، ومحل الجيش الأول منهما خط يمتد من أدرنه حتى الأستانة، وهو مؤلف من الفيلق الأول: المعروف بفيلق الأستانة، والفيلق الثاني: المعروف بفيلق تكفور طاغي (رودستو) والفيلق الثالث: المعين لقرق كليسا وما جاورها، والفيلق الرابع: لأدرن وحصونها، وقوة هذا الجيش تبلغ حسب النظام الجديد 220000 جندي من المشاة و 6000 فارس و 454 مدفعًا.

أما الجيش الثاني الذي خصص للولايات المعروفة باسم مقدونيا؛ فقد كان أقوى منه بحسب ذاك النظام؛ لأن مجموعه يبلغ 340000 رجل و 500 مدفع، وكان من المأمول أن الجيشين المذكورين يمكنهما أن يقويا في وقت الحرب بفضل النجدات التي كان يُرجى إرسالها من آسيا الصغرى.

غير أن تلك القوات الجميلة لم تكن إلا على الورق. والصحيح أن نظام 1909 أضرَّ بالجيش العثماني بدلًا من أن ينفعه ويعزز جانبه، وليس ضرره بناشئ عن فساد النظام نفسه بل عن سبب آخر، هو أن كل نظام يدخل على جيش - كما يقول الاختصاصيون - يدع هذا الجيش ضعيفًا غير متماسك الأجزاء إلى أن يتم، وكل دولة تدور بها الأخطار مثل تركيا لا يجوز لها أن تهدم نظام جيشها دفعة واحدة لتقيم مقامه نظامًا آخر، بل يجدر بها لتأمن الخطر أن تغير ذاك النظام شيئًا فشيئًا حتى لا يتزعزع بنيان قواتها الحربية فيطمع فيها العدو الساهر، كما فعلت روسيا مع تركيا نفسها سنة 1820، وكما فعلت الممالك البلقانية في هذا الزمن، ولقد أظهر الكُتَّاب الحربيون ومن جملتهم الموسيو وجنر أن الحرب البلقانية نشبت ونظام الجيش العثماني لم يُكمل، والرديف لم يتمرن، وبعض القواد لم يتعودوا تحريك الجنود الجرارة في ساحات القتال، وعدد الضباط اللازم لم يتم، فإن الجيش كان يحتاج إلى 5000 ضابط كما قال فخامة مختار باشا الغازي في حديث، وزد على ذاك كله أن السكك الحديدية لم تكن تنقل العدد الذي كان يُرجى نقله.

وكان من نكد الدنيا وسوء الطالع على تركيا أن أولياء الأمور قد اقترفوا خطأً كبيرًا في أوائل شهر سبتمبر؛ أي قبل إعلان الحرب بنحو شهر ونصف، وذاك أنهم صرفوا الرديف الذي كان تحت الهلال، فجاء صرفه في الوقت الذي يجب فيه تعزيزه وتقويته. وفي منتصف الشهر المذكور صُرفت أيضًا طبقة من الجيش العامل، وفي 23 منه عادت تركيا تعبئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت