أما القوات البلغارية التي زحفت أولًا على تلك القوات العثمانية في تراقيه فهي؛ الجيش الأول: بقيادة الجنرال كوكنتشيف ومعظم رجاله من جهات صوفيا وفيلبوبولي (أوفيلبه كما يُسميها الأتراك) ، وموقع حشده يانوبلي (جامبولي) ، ثم الجيش الثاني: بقيادة الجنرال إيفانوف وموقعه طرنوى (تيرنوفو) ، ثم الجيش الثالث: بقيادة الجنرال داتكو ديمتريف، وموقعه قزيل أغاج (كزيلاغاتش) ، ويظهر من قول عدة مراسلين أن التعبئة والحشد لم يتطلبا أكثر من خمسة عشر يومًا.
أما القائد العام فالجنرال سافوف صديق ملك البلغار، وهو مشهور بالحزم والعزم واحتمال المسئولية والمعارف الحربية، قال الموسيو وجنر: «إنه في طليعة الذين أدخلوا جميع الإصلاحات الحربية الحديثة على الجيش البلغاري، وأنه كان يعرف كل شبر من الأرض التي حدثت فيها المعارك، ولا يجهل شيئًا من أحوال الجيش العثماني، ولما أعلنت الحرب قال: «أنا أراهن على ضرب عنقي أن جيشنا سيقهر الجيش العثماني بعد أيام» .»
بدأ البلغاريون بالحركات الحربية في 18 أكتوبر؛ أي يوم إعلان الحرب، فزحف الجيشان الثاني والثالث قاصدين أدرنه من جهة، وقرق كليسا من جهة أخرى، وزحف الجيش الأول بينهما.
وروى الماجور فون هوشوختر أن الخطة الحربية الأصلية التي نصح المارشال فوندرغولتز لأركان حرب الجيش العثماني باتباعها في تراقيه؛ هي أن يلزموا خطة الدفاع ريثما يتم حشد الجيش العثماني. على أن هناك خطة أخرى أشار إليها الكولونل بوكابيل، وهي على ما قيل كانت تقضي بقسم القوات العثمانية إلى ثلاثة جيوش، يقيم منها اثنان عند أدرنه وقرق كليسا، والثالث يأتي بحرًا من جهة ميدية لسحق ميسرة البلغار، ولكن السرعة الهائلة التي أظهرها الجنرال سافوف وجيشه في الزحف والهجوم لم تُمَكن أركان حرب الجيش العثماني من النجاح فيها، ولا سيما بعد سقوط قرق كليسا على وجه لم يذكر مثله في تاريخ الجيش العثماني كما سترى.
أما خطة الجيش البلغاري فهي تتوقف على اجتناب فتح أدرنه في بدء الحرب، وعلى السرعة العظيمة في قهر القوات العثمانية الأخرى بقصد أن لا يُترك للدولة العلية وقتًا كافيًا لحشد جيوشها وتعزيز جوانبها قبل المعارك الفاصلة، وبقصد أن تكون النفقات المالية أقل ما يستطاع.
سقوط مصطفى باشا
زحف الجيش البلغاري الثاني إلى جهات أدرنه من وادي مريج (مارتيزا) ومن الضفة اليمنى لطونجة، وتقدم بعض فرقه إلى جهة مصطفى باشا التي لم يكن فيها إلا حامية صغيرة فلم يجد إلا مقاومة ضعيفة، ثم تقهقر العثمانيون بسرعة؛ لأن القائد العثماني لم يكن يرغب في معركة كبيرة هناك، ولشدة سرعتهم في التقهقر فاتهم أن ينسفوا ثلاثة جسور كان نسفها مقررًا من قبل، على أن بعض الجنود تنبه إلى الأمر فألهب موقدًا واحدًا من الديناميت الذي كان معدًّا لنسفها فلم يُحدث إلا أضرارًا قليلة، فدخل البلغاريون مصطفى باشا وهي أول أرضٍ عثمانية وقعت في قبضتهم.
ولما طير القائد البلغاري خبر فتحها إلى ملكه انتقل إليها ومعه أركان حربه ونجلاه بوريس وسيريل، وكان من تقاليد البلغاريين القدماء أن ملكهم إذا دخل أرضًا لعدوه بعد النصر، خطا الخطوة الأولى على الأسلحة التي غنمها جيشه، فأراد الملك فردينان أن يُعيد تلك العادة بعد مئاتٍ من السنين. ولما وصل القطار به جيءَ ببندقية من بندقيات العثمانيين فوضعها تحت قدميه ووقف عليها نحو دقيقة من الزمن، وأبدل البلغاريون اسم مصطفى باشا فسموها «فرديناندوفو» ، ثم دخل ملكهم تلك المدينة الصغيرة باحتفال كبير مشى فيه كبار رجالهم الدينيين بملابسهم المذهبة التي يزدانون بها في الحفلات الدينية الكبرى، وإنَّا كعثمانيين نذكر تلك الحفلة والأسف يملأ الصدر، وأشد ما يؤلم فيها أن الذين ساعدهم حُسْن الطالع فأقاموها لم يكونوا بالأمس إلا ولاية عثمانية بلغت ما بلغت من العزة والمنعة، بفضل الإصلاح الذي نشتاق إليه اشتياق الظماء إلى الماء والجياع إلى القصاع.
وبعد أن فتح البلغاريون مصطفى باشا أمر قائدهم باتباع العثمانيين المتقهقرين فزحفوا حثيثًا على ضفتي نهر مريج (ماريتزا) ، وحدثت معركة صغيرة في جرمن فازت فيها الجنود البلغارية.
وكان معظم الجيش البلغاري الثاني مستمرًّا على الزحف إلى جهة أدرنه، ولما وصلها أراد أن يُفاجئ حصونها الغربية والجنوبية الغربية بهجمة قوية؛ لأن الخطوط الحديدية منشأة في تلك الجهة. وقد تباينت أقوال المراسلين في سبب تلك الهجمة، مع اعتقاد أركان حرب البلغار أن أدرنه محصنة أفضل تحصين فلا يمكن فتحها بهجمة أو عشر، ولكن الراجح ما ذكره الكولونل بوكابيل وهو أن الجنرال إيفانوف قال في نفسه: «إذا لم نفلح في الهجمات الأولى فإنها تعود علينا بشيءٍ من النفع، لكونها تُعدُّ لنا المحل اللازم لوضع بطاريات الحصار الضخمة.» وليس ببعيد عن الصواب قول الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي: وهو أن أركان حرب الجيش البلغاري الذين اهتموا أشد اهتمام بإخفاء الحركات الحربية، وأبوا على الجنود أن يكتبوا كلمة إلى أهلهم حتى لا يعرف أحد موضع إقامتهم، أرادوا أن يوهموا العثمانيين والصحافيين وغيرهم أنهم