فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 121

بإعدام رجال تلك القرية رميًا بالرصاص ثم أحرقوها بعد أن أخرجوا منها النساء والأطفال، فذكرتنا حادثة هؤلاء بما فعله الألمانيون بإحدى القرى الفرنساوية، إذ جعل أهلها يرمونهم بالرصاص من النوافذ، فإنهم كانوا أشد قسوة من العثمانيين فعاقبوا أهلها غير راحمين ولا مميزين بين النساء والأطفال، فيالله من الحرب ويالله من الإنسان.

أفرغ عبد الله باشا وأركان حربه جهدًا عظيمًا في ضم شمل الهاربين وتنظيم الجنود الجديدة، وعزز الفيلق الثاني والثالث والرابع ورتبها من اليمين إلى الشمال كما يلي: الفيلق الثالث: وما زال تحت إمرة محمود مختار باشا.

الفيلق الثاني: وقلبه في جهة قره أغاج.

بقايا الفيلق الأول: الذي شتته مصاب قرق كليسا.

الفيلق الرابع: وقلبه في لوله بورغاز.

وفرقة الفرسان: عند لوله بورغاز أيضًا.

وكان غرض العثمانيين قبل كل شيء أن يحموا سكة حديد الأستانة بعد أن قطع البلغاريون كل صلة بينهم وبين أدرنه في 27 أكتوبر. وقد جعل عبد الله باشا معسكره العام في ساقز كوى، ولكنه لم يكن يملك شيئًا من المعدات اللازمة لكل قائد، ولا سيما قبل المعارك الفاصلة، فهل سمعتم أو رأيتم في هذا العصر أن قائدًا كبيرًا لا يجد أمامه تلغرافًا ولا تلفونًا ولا مئونةً ولا قنابل كافية؟! إن عبد الله باشا كان على تلك الحال.6 وكانت خطته الأصلية في المعركة المذكورة أن يأمر القلب والميسرة بالدفاع ويهاجم عدوه من جهة الميمنة (ومما يُذكر هنا أن الأرض التي كان الجيش العثماني يحتلها هي الأرض التي قاوم فيها الجيش الروسي تسعة أيام في سنة 1878) ، وكان خط المقاومة الذي رسمه واقعًا على الضفة اليسرى لنهر «قره أغاج دره سي» على مقربة من المرتفعات التي تشرف على هذا النهر الذي لا يُجاز هناك إلا على جسور لوله بورغاز وترك بك وجفلك قبه.

وكان ابتداء المعركة الكبرى في 28 أكتوبر بين مقدمة العثمانيين وفرسان الأعداء، ثم أخذ القتال يمتد، وفي 29 أكتوبر تقدم القلب والميسرة من الفيلق الثالث فزحف القلب إلى «ترك بك» والميمنة إلى جهة لوله بورغاز، وما حلت الساعة الحادية عشرة قبل الظهر حتى أضحى القتال عامًّا، ونحو الساعة الثانية بعد الظهر تمكن البلغاريون من أخذ لوله بورغاز وإصعاد بطارياتهم إلى الروابي.

وكان الفرسان العثمانيون في تلك الساعة يُجاهدون لصدِّ البلغار عن جنوبي لوله بورغاز وهم واقفون، ثم امتطوا جيادهم وحملوا حملة شديدة على صدر الجيش البلغاري ليمكنوا المشاة العثمانيين من احتلال الروابي المهددة، وبعد أن أتموا مهمتهم عادوا إلى وراء.

وما حلت الساعة الخامسة بعد الظهر حتى هب الفيلق العثماني الرابع إلى الهجوم على لوله بورغاز فطرد منها البلغاريين، ثم عاد فتركها واحتل المرتفعات فبقيت لوله بورغاز تلك الليلة خالية من العدوين.

أما في جهة قره أغاج حيث كان قلب الفيلق الثاني فقد نجح البلغاريون قليلًا، ولكن العثمانيين عادوا فهجموا عليهم نحو الساعة الرابعة بعد الظهر فأرجعوهم إلى موقفهم الأول، ثم عاد البلغاريون إلى هجمة شديدة فأخذوا المواقع التي خسروها.

وخلاصة «الحساب» في هذا اليوم؛ أي 29 أكتوبر أن النصر بقي يتراوح بين العدوين.

في 30 أكتوبر؛ بدأت الذخائر تنفد عند ثلاثة فيالق عثمانية وهي الأول والثاني والرابع، فأصبح أمل عبد الله باشا وناظم باشا (الذي حضر من الأستانة) منوطًا بالفيلق الثالث الذي صدر إليه الأمر بالهجوم في اليوم التالي (30 أكتوبر) . أما البلغاريون فقد تعبوا تعبًا شديدًا، على أن فيالقهم لم تقتحم كلها معارك 29 أكتوبر بل كان جُل التعب مقصورًا على الجيش الثالث منهم، وقد وصل جيشهم الأول في اليوم المذكور، واستعد للهجوم عند ظهر اليوم التالي، فصار في وسعهم أن يُعيدوا الكرَّة على طول الخط وعلى ميسرة العثمانيين عند الضفة اليسرى من نهر أركنه (أرجين) .

وكذلك فعلوا، فإن ميمنتهم زحفت في 30 أكتوبر إلى الضفة اليسرى من ذاك النهر، ثم أرسلوا جنودًا جديدة لتستأنف الهجوم من جهة لوله بورغاز والجهات الجنوبية، فقابلتهم بقايا الفيلق الأول والفيلق الرابع. وكان عبد الله باشا لسوء الطالع لا يستطيع إرسال نجدات جديدة إلى هذين الفيلقين، وما زال جُل اعتماده على الفيلق الثالث الذي تقدم ذكره، وعلى الفيلق الثاني الذي أمره باستئناف الهجوم على قره أغاج رجاء أن يعضد بعمله الفيلق الثالث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت