فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 121

نتكلم هنا على حصار أدرنه ثم سقوطها بعد الهدنة الأولى، فنختم به شرح الأعمال الحربية التي جرت في تراقيه بين البلغاريين والعثمانيين، ثم ننتقل إلى معارك الصربيين والعثمانيين طبقًا للخطة التي رسمناها في تقسيم هذا الكتاب.

أدرنه مدينة قائمة عند ملتقى نهري مريج وطونجه شمالًا ونهر أدرا يمينًا، طوَّقها بلوم باشا بستة وعشرين حصنًا صغيرًا أيام الحرب الروسية العثمانية، وهي - أي تلك الحصون - منشأة على مرتفعات تشرف من الجهتين الشرقية والغربية على مدينة أدرنه نفسها، وتتصل بموضع الخط الحديدي الممتد من الجهة الجنوبية الغربية، ولكنها لا تعد القسم الأهم من القلعة في هذا الوقت.

ولما كانت سنة 1903 اتسعت دائرة الموقع اتساعًا كبيرًا، وأنشأت له الحكومة العثمانية حصونًا حديثة محمية ذات أبراج صغيرة في الجهات الشرقية والشمالية والغربية أي أشد الجهات استهدافًا للخطر، وهي تسمى قرتال تبه، وقزال تبه، وشيطان تبه، وطاش تبه، وقوش تبه.

وصُرفت عناية خاصة إلى المسافة التي بين قرتال تبه، وقزال تبه، فحُفرت هناك سلسلة من الخنادق، وأنشأت جملة مواقع دفاعية جعلتها ذات منعة كبيرة.

وكان أركان حرب الجيش البلغاري 1 يُقَدِّرون أن العثمانيين يمكنهم وقت الحصار أن يضعوا في حصون أدرنه نحو 200 مدفع من مدافع الحصار الكبيرة التي جيء ببعضها من الدردنيل، و 300 مدفع أخرى من مدافع الميدان، وكان عند العثمانيين أيضًا نحو أربعين منيرة كهربائية (بروجكتور) لاستطلاع طلع أعدائهم تحت جنح الليل. ولما اسوَدَّ وجه السياسة قبيل الحرب، وجهت الحكومة العثمانية همةً جديدةً إلى حصون أدرنه، فقدمت لها ما كان يعوزها لإتمام الأهبة في الخطوط الأولى وحفرت خنادق جديدة لإقامة المشاة، ونصبت مدافع مغمورة بالتراب على الطريقة الحديثة، ولما هجم الجنرال إيفانوف هجمته الأولى بعد إعلان الحرب رأى مقاومة شديدة من الخطوط الدفاعية الأولى، وظهر للبلغار أنها لا تؤخذ إلا بالحصار، ومما يجب ذكره فوق ما تقدم أن الأراضي الواقعة وراء قره أغاج من الجهة الجنوبية الغربية هي على مستوى القياس المتوسط لمياه مريج، وأن هناك مستنقعات مغطاة بالأعشاب، فإذا هطلت الأمطار في شهري أكتوبر ونوفمبر حولتها إلى بحيرات صعبة المجاز، فكانت للعثمانيين هناك معونة كبيرة من الطبيعة نفسها.

وصل البلغاريون فاختاروا أن يعسكروا أمام الجهات التي تفوق سواها قوةً وتحصنًا؛ لأن أضعف جهة - وهي الواقعة بين قرتال تبه وقوش تبه - كانت بعيدة عن محطة السكة الحديد، فلم يكن في وسع البلغاريين أن ينقلوا إليها المدافع الكبيرة والذخائر وغيرها. وزد على هذا كله أن جميع الأراضي لا تصلح لنصب مدافع الحصار، فلهذين الاعتبارين اختار الجنرال إيفانوف قائد الجيش البلغاري حول أدرنه أن يتجه بمعظم قوته إلى الجهات التي ما بين مريج وطونجه، وإن كانت الحصون العثمانية هناك منيعة جدًّا.

أما القوات البلغارية التي كانت حول أدرنه فهي 30 مدفعًا (12 سنتيمترًا) ، و 41 مدفعًا قصيرًا (15 سنتيمترًا) ، و 40 مدفعًا كبيرًا من العيار ذاته وسبع بطاريات من طراز 75 مصنوعة على قواعد خاصة، غير أن الكولونل بوكابيل يقول: «إن بعض تلك المدافع كان قديمًا، أما عدد الجنود فقد كان يختلف بين حين وآخر؛ لأن أركان حرب الجيش البلغاري كانوا يبدلون ويزيدون وينقصون حسب مقتضى الحال، ولما قهر الصربيون الجيش العثماني الغربي في قومانوا (كومانوفو) أرسلوا إلى جهة أدرنه معظم الجيش الذي كان يقوده الجنرال ستفانوفتش، فسافرت حينئذ فرقتان بلغاريتان إلى جتالجه، وروى الموسيو دي زيغو نزاك الذي كان مع الجيش البلغاري أن الجنود المحاصرة لأدرنه لم تبلغ يومًا مائة وخمسين ألفًا، وأن منظر الرديف البلغاري بدا له غريبًا، فكان يبصر الشاب بجانب الكهل، ويجد كلا منهم على شكل، بعضهم يلبس الملابس الوطنية، وبعضٌ يلبس عباءة من جلود الخراف، وآخر يتشح ببرنس من الصوف الأسمر أو الرمادي، وغيرهُ متأنق في لبسه.»

على أن روحًا واحدة وغرضًا واحدًا كانا يجعلانهم جيشًا ...

أما القوة العثمانية فقد كانت في أوائل الحرب نحو خمسين ألف رجل، ثم انضم إليها عدد من الجنود، واستخدم شكري باشا قائد الموقع كل رجل عثماني صالح للخدمة في المدينة نفسها، قال خليل بك والي ولاية أدرنه في مقال نشره بعد التسليم: «كان في قلاع أدرنه خمسة وسبعون ألفًا من الجنود، وبلغ عدد الأهالي مع الذين هاجروا إليها 120 ألفًا، وقد لبثنا نعول هؤلاء كلهم إلى أواخر أيام الحصار، وكان في القرى والدساكر المجاورة للمدينة قدرٌ كبيرٌ من المؤن والذخائر، ولكن هجوم العدو علينا منعنا من نقلها، فاستولى هو عليها وأطعم جنوده من تلك المؤن زمنًا طويلًا.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت