ضباط وعدد من المدافع والأسلحة والمركبات، واحتلوا البلاد التي كانت في طريقهم؛ لأن الجنود العثمانية لم تقف لصدهم وقفة تذكر هناك.
ثم تمهل ولي العهد بجيشه ليتخذ أهبة الزحف إلى سلانيك.
تسليم سلانيك
تقدم ولي عهد اليونان قاصدًا ينيجه واردار حيث تمكن حسن تحسين باشا من جمع نحو 30 ألف رجل ونحو 30 مدفعًا، وبعد مناوشات قليلة الشأن ومصاعب جمة في الطريق وصل ولي عهد اليونان إلى جهة العثمانيين، ونشب القتال في 2 نوفمبر فأظهر العثمانيون حزمًا وثباتًا، ثم غابت شمس ذاك اليوم والجيش اليوناني لم يقدر على زحزحة تلك القوة العثمانية.
ولما لاح صباح اليوم التالي عاد القتال شديدًا، ووصلت فرقة يونانية جديدة وهجمت على ميسرة العثمانيين، فترك هؤلاء مواقعهم بعد خسارة 2000 رجل بين قتيل وجريح و 500 أسير و 14 مدفعًا و 4 من طراز الميتراليوز.
أما خسارة اليونانيين فقد بلغت حسب إحصائهم الرسمي 38 ضابطًا و 937 جنديًّا بين قتلى وجرحى.
بعد تلك الوقعة بات موقف سلانيك من أصعب المواقف، وانقطع حبل الرجاء بين يدي تحسين باشا، فمن جهة البحر هجمت سفينة توربيدية على بارجة عثمانية كانت راسيةً في مياه سلانيك ومهددةً لكل عدو يأتي غربًا، فأغرقتها وأنقذت الجنود اليونانية من خطرها، ثم جاءت الطرادة أفيروف وثلاث سفن للتوربيد فضربت الحصون العثمانية، ومن الجهة الشمالية الغربية برًّا وصلت قوة من فرسان الصرب بعد أن طاردت الجنود التركية التي حاولت الخلاص من تلك الجهات، ووصلت أيضًا قوة بلغارية من الجهة الشمالية والشمالية الشرقية. وزد على هذا كله أن قوة من اليونان نزلت من طريق البحر وأخذت تتقدم نحو سلانيك، فالأعداء إذن في كل جهة.
لما رأى ولاة الأمور الملكيون وقناصل الدول ذاك الموقف واستشعروا أن قلوب الأهالي انخلعت فرقًا من حدوث مذبحة هائلة في شوارع سلانيك، شرعوا يبذلون الجهد لدى تحسين باشا ليحملوه على التسليم، وأظهروا له أن وصول تلك القوات الزاحفة نحو المدينة لا يبقي أملًا في إنقاذها بالسيف، ولا سيما أن الجنود العثمانية لم يكن عندها مدافع ولا ذخائر كافية، وكتب مراسل البرلينر الألمانية في هذا الشأن قال: «إن عددًا جمًّا من الجنود قدم سلانيك وهو في حالة تُدمي العيون والقلوب، فكان منظر هؤلاء القادمين من ضعفاء وهاربين يذكرنا بجنود نابليون يوم تقهقرت من روسيا، وكنا حيثما نذهب نجد أشلاء الرجال والخيل، ولقد مات أمس خمسون جنديًّا من شدة البرد ... »
نقف عند هذا الحد من الوصف، لنكفي القارئ مئونة الشعور بما يحرج الصدور.
أما تحسين باشا فإنه لما رأى ذاك الإلحاح من القناصل وغيرهم، ورأى من وجه آخر أن القتال في شوارع سلانيك لا يُجدي نفعًا مع ضعف قوته، وافق على طلبهم وبدأ بالمفاوضة في أمر التسليم، وإليك تعريب التقرير الرسمي الذي أرسله ولي عهد اليونان إلى الموسيو فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية في هذا الشأن، وهو: جاءني أمس قناصل إنكلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا وقومندان موقع سلانيك ومندوب من تحسين باشا ليعرضوا عليَّ الشروط المتعلقة بتسليم مدينة سلانيك والجيش التركي، وطلبوا إليَّ أن أدع للجنود أسلحتها بعد أن تتعهد لنا بالتزام الحياد إلى آخر الحرب، فأبيتُ الموافقة على هذا الطلب واقتصرت على وعدهم بإرجاع الأسلحة إليها بعد إنتهاء الحرب، وعيَّنت الساعة السادسة صباحًا لقبول الجواب النهائي.
ونحو الساعة الخامسة جاءني قومندان الموقع ومعه مندوب من قِبل القناصل وعرض القومندان عليَّ شروطًا، فحواها أنه يقبل تسليم الأسلحة ما عدا 5000 بندقية معدَّة لتعليم الرديف الجديد فأبيت أن أوافق على هذا الشرط أيضًا، ثم سافر القومندان والمندوب بعد أن طلب مهلة ساعتين للاتفاق مع القائد العثماني العام، ولما انقضت المهلة بدون أن يعودوا إليَّ، أصدرت أمري إلى الجيش بالتقدم فعمد إلى الزحف نحو الساعة التاسعة صباحًا، ولكن ما اقتربت صفوفنا من مقدمة العدو حتى أرسل إليَّ تحسين باشا ضابطًا ومعه كتاب فيه قبول شروطنا، حينئذٍ أمرت بالوقوف وأرسلت ضابطين ليكتبا مع تحسين باشا شروط تسليم المدينة التي كان جيشنا واقفًا أمامها. ا. هـ.