فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 121

وقت الحرب وبعدها

ذكرنا ما فعله السيف بعد إعلان الحرب، فبقي أن نذكر ما فعلته السياسة.

أخذت السياسة تجول جولاتها وتصول صولاتها وترينا غرائبها ومفارقاتها منذ حل الفشل الأليم بالجيش العثماني الشرقي في لوله بورغاز، وزحف الجيش البلغاري إلى جتالجه، فإن أول طفرة طفرتها أنها انتقلت بعد تلك المعركة من رأي إلى ضده، فقررت أن لا يُحرم البلقانيون من ثمرة انتصارهم، فألغى هذا القرار إعلانها الرسمي الشهير الذي نشرناه في باب سابق، وهو أنها لا تسمح بتغير خريطة البلقان، لكن الجرائد الشبيهة بالرسمية كالتان ما لبثت أن نشرت «بالقلم العريض» أن الدول كانت تريد بذاك القول أن تُفهم الحكومة العثمانية وحدها بأن أوروبا لا تسمح لها بأخذ شيء من أراضي أعدائها، ولو رأت النصر معقودًا بهلالها.

ثم اتفقت الدول من جهة أخرى عملًا برأي الموسيو بو انكاريه على أن تعلن عفة قلبها من الطمع في أية أرض عثمانية، كما اتفقت بعد ذاك على اقتراح السير إدوارد جراي وزير خارجية إنكلترا، وهو أن يعقد سفراء الدول العظمى مجتمعًا في لندرا بجانب مؤتمر الصلح لدرس ما يهمُّ الدول في البلقان، وتوطئة السبيل لحل المشاكل، والحيلولة دون انفراد إحدى الدول بسياسة محفوفة بالخطر على السلم الأوروبي، وتمهيد طرق الاتفاق بين المندوبين العثمانيين والمندوبين البلقانيين كما سترى.

طلبت وزارة كامل باشا منذ 15 نوفمبر إلى قواد البلغار في جتالجه أن يعقدوا هدنة، فأحال القواد هذا الطلب إلى حكوماتهم، وبعد أن تفاوض المتحالفون بضعة عشر يومًا وتوسطت الدول العظمى في الموضوع قررت حكومات صوفيا وبلغراد وستينه أن تُعقد الهدنة في 3 ديسمبر، أما حكومة اليونان فأبت أن توافق على الهدنة لسببين؛ أولهما: أن قائد الجيش اليوناني كان يؤمل أخذ يانيه في وقت قريب، فلم تشأ حكومته الاشتراك في الهدنة قبل أن تسقط تلك المدينة التي أظهرنا مقامها التاريخي عند اليونان. والثاني: أن بقاء اليونان في حالة الحرب كان نافعًا للمتحالفين؛ لأنه مكَّن الأسطول اليوناني من حصر مواني بحر الأرخبيل والبحر الأيوني في مدة المفاوضات، وحال دون إرسال المؤن والذخائر إلى يانيه وأشقودره من جهة البحر، كما حال دون إرسال النجدات العثمانية من سوريا وغيرها، فلهذين السببين لم يعترض البلغاريون والصربيون والجبليون على إحجام الحكومة اليونانية عن الاشتراك معهم في الهدنة، بل كانوا مؤيدين لها بدليل أنهم أصروا على قبول المندوبين اليونانيين في مؤتمر الصلح.

أما عقد الهدنة فقد تمَّ توقيعه في 3 ديسمبر بين الموسيو ستويان دانيف رئيس مجلس النواب البلغاري، والجنرال سافوف وكيل ملك البلغار في القيادة العامة، والجنرال إيفان فيتشيف رئيس أركان حرب الجيش البلغاري، وكانوا نائبين عن الصرب والجبل الأسود - وبين ناظم باشا وزير الحربية العثمانية ووكيل جلالة السلطان في القيادة العامة، وإليك تعريب الشروط: أولًا: تُعقد هدنة بين جيوش البلغار والصرب والجبل الأسود من جهة، والجيوش العثمانية من جهة أخرى للتمكن من الشروع في مفاوضات الصلح بين الفريقين المتحاربين.

ثانيًا: تبقى الهدنة ما بقيت مفاوضات الصلح، وتنتهي عند البلوغ إلى نتيجة حسنة أو عند قطع المفاوضات.

ثالثًا: تجري مفاوضات الصلح في لندرا وتبتدئ بعد التوقيع على هذا الاتفاق بعشرة أيام.

رابعًا: إذا لم تنجح مفاوضات الصلح فإن كل فريق من المتحاربين ملزمٌ بأن يعلن انتهاء الهدنة للفريق الآخر قبل استئناف الحرب بأربعة أيام، وأن يُعيِّن له ساعة الرجوع إلى القتال، وتبتدئ الأربعة الأيام المذكورة منذ الساعة السابعة مساء بعد البلاغ الذي يرسله القائد العام لأحد الفريقين إلى قائد الفريق الآخر.

خامسًا: تبقى جنود كل فريق من المتحاربين في مواقعها الحاضرة، وتُعين بينهما شقة حرام بمقتضى اتفاق يُعقد بين الضباط الذين ينتدبون لعقده من الفريقين.

سادسًا: تبتدئ الهدنة فعلًا منذ التوقيع على هذا الاتفاق، وإذا تجاوزت جنود أحد الفريقين خط التحديد وجب عليها أن تعود إلى مواقعها الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت