فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 121

إن كان هذا الكتاب لا يُعدُّ تاريخًا بالمعنى الجامع لكل أشراط التاريخ، فهو - على الأقل - معرضُ حوادث صحيحة غيرت وجه الشرق، وراعت قلب الغرب، حاولتُ - ولا أدري هل أنا مفلحٌ - أن أوقف المطالع على أسبابها وتفاصيلها ونتائجها على نمطٍ يتمثل به الأحوالَ التي دارت بتلك الحوادث العظمى، فيتأثر بمؤثراتها، ويدهش بمدهشاتها، ويعتبرُ بعبرها وتقلباتها، وكأني بالقارئ عند مطالعة هذا الكتاب يسمع من خلال سطوره قصفات المدافع وصفير الرصاص وأنين الجرحى وعويل الألوف من الشيوخ والنسوة والأطفال الأبرياء الذين جنت عليهم همجية البشر في هذا القرن العشرين المُلقَّب بقرن النور والمدنية، ثم يرى ما أتته تلك الدول العظمى - التي يجب أن تكون قدوةً جميلةً للدنيا - من التقلب والتلون والمخاتلة والمخادعة ونكث العهد، ونبذ الوعد.

أما إخواني العثمانيون فلا أشك أنهم يفرغون من مطالعة هذا الكتاب ونفوسهم ثائرة ودماؤهم فائرة بما يقفون عليه من تفصيل المصائب التي نابت دولتنا العلية في الحرب الأولى، ثم يرون بعض العزاء في ابتسام الحظ للسياسة العثمانية إبَّان الحرب الثانية، ونجاح الوزارة السعيدية في استرجاع شطرٍ مما خسرناه في الحرب الأولى.

على أن ذاك النجاح الذي أعاد نور «الهلال» إلى أدرنه ومعظم تراقيه، لا يلأم كل الصدع ولا يمحو جلَّ الأسف على شطرٍ كبيرٍ من تركيا الأوروبية، تلك البلاد التي كان ثمنها عظيمًا من الدماء والدموع والمُهج الغالية، ولا مندوحة معهُ للعثماني عن البحث في أسباب تلك المصائب ليعتبر بها. فما هي تلك الأسباب؟ هل ذهب الدهر بمزايا الجندي العثماني الذي وصل أجداده إلى أبواب فينا وكتبوا تاريخ مجدهم بالسيوف قبل الأقلام ولفُّوا من كبد السماء هلالًا، ونشروه علمًا يتلألأ؟ كلا، فإن الذين حدثتهم من كبار الضباط وموظفي الهلال الأحمر الذين شهدوا بعيونهم ذاك الجندي، وجميع المراسلين الحربيين الذين شاطروه البرد القارس والشقاء المضني يقولون إن الجندي العثماني المنظم هو هو، يموت بردًا في مركز الحراسة، وتنطوي أحشاؤه على الطوى فلا يشكو ولا يثور، ولو حصل كل يوم على قطعة من الخبز الجاف ما وهنت بجسمانه قدمٌ ولا نكص أمام عدو. فما هو السبب إذن؟ قف بنا نوضحه بكلمة حرة.

ما الحربُ التي تنكبُ إحدى الأمم نكبة فاتكة إلا السبب الطارئ، فواجبٌ على من يريد الحقيقة أن يبحث فيما وراء ذاك السبب الطارئ عن سبب أصلي عام كما قال مونتسكيو. والسبب العام الذي أدمى قلوب المسلمين قبل المسيحيين والموسويين في السلطنة هو ظاهرٌ في الأقوال والأحاديث التي نطق بها أقطاب الدولة أنفسهم، وفي أقوال المراسلين السياسيين والحربيين على اختلاف النزعات، وفي حالة كل فرع من فروع الإدارة عسكريةً كانت أو ملكية، وأعني به الفساد المتفاقم أصاب معظم أهل المناصب، فقتل في نفوسهم روح الواجب الوطني، ونال سائر الموظفين فرماهم بالجشع والطمع، وناب كبار الجيش فأنمى فيهم روح التحاسد والتنابذ، وأضعف روح التعاضد والتضامن، حتى عم الخلل وكثرت العلل، وإنَّ الأمة والحكومة لعلى تلك الحال إذا بالاتحاد البلقاني واقفٌ مستوفزٌ ويدهُ على مقبض السيف.

على أني لست أرى - برغم ما جرى - أنه يقوم في سبيل الدولة العلية حائلٌ طبيعيٌّ يمنعها من النهوض، فكما نهضت ألمانيا مُعفَّرة الوجه من بين أقدام الفاتح الكرسكي العظيم وصعدت إلى المقام الأسمى بين الدول العسكرية والتجارية والصناعية، وكما نهضت فرنسا مهشمةَ الأعضاء ملطخة الجبين بالدم والتراب من بين سنابك ذوي الخوذات اللامعة منذ ثلاثٍ وأربعين سنة، كذلك تنهض الدولة العلية بإذن الله، على شرط أن تعتبر وتستفيد من المصائب التي حلَّت بها كما استفادت تانك الأمتان العظيمتان.

إني لا أجهل الفروق التي بيننا وبين تينك الأمتين من حيث التنافر في العناصر والتباين في الأديان والاختلاف في درجات المدنية بين الممالك العثمانية، على أن الإصلاح مستطاعٌ إذا جعل ولاة الأمور ذاك المُلك العظيم أقسامًا متحدة تحت «الهلال» العزيز، وعدَّلوا نظام كل قسم بما ينطبق على أخلاقه وعاداته ودرجته من الحضارة فيرضى ابن اليمن وابن الحجاز وابن سوريا وابن الأناضول، وتبقى عاصمة الخلافة والسلطنة واسطة العقد وصاحبة الأمر والنهي في الجيش والسياسة الخارجية وسائر الشئون العامة، فلا يكون لكل قسم إلا جانبٌ معين من دخله وسلطةٌ محدودةٌ تكفيه للنهوض بالعلم والتربية وسائر شئونه الخاصة.

وهناك أمرٌ راهنٌ لدينا؛ وهو أن الأمة العثمانية لم تفقد شجاعتها. وكل أمة متحلية بفضيلة الشجاعة يمكنها أن تنهض وتعلو لأن الشجاعة روح تنعش النفوس وتنهض بالعزائم، فحسبُ ولاة الأمور أن يحولوا قوة تلك الروح الشريفة إلى المشروعات النافعة فتصبح مع ذكاء الأمة ثروة أدبية عظيمة.

وأما الثروة المادية وهي أحد الأركان العظمى، فتجدها في قلوب الممالك الباقية للدولة العلية في آسيا، وهي من أغنى بقاع الله. ومساحتها (ما عدا الولايات الممتازة) مليون و 156 ألف ميل مربع؛ أي نحو ضعف مساحة فرنسا التي تبلغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت