204091 ميلًا، مع مساحة ألمانيا وهي 208738 ميلًا، ومساحة إنكلترا وهي 121115 ميلًا، ومساحة إيطاليا 114409 أميال.
وأما موارد الزراعة والمعادن فأترك الكلام فيها لكبيرنا أستاذي سليمان أفندي البستاني وزير الزراعة في هذا الوقت، فإنه زار العراق منذ سنوات وضربها مثلًا لثروة الأرض العثمانية، فقال:1 دونك الخطة العراقية فهي مع شمولها بلاد ما بين النهرين تمتد مما يلي ديار بكر جنوبًا إلى خليج العجم شمالًا، ومن حدود بلاد إيران شرقًا إلى حدود سوريا غربًا، وتشمل ولايات الموصل وبغداد والبصرة وقسمًا من ولاية ديار بكر، وهي بمساحتها تزيد عن مساحة فرنسا، وبخصب تربتها لا يفوقها قطر في العالم، تخترقها مجاري أنهرٍ من أعظم الأنهار، ففيها دجلة والفرات وفيها الزاب الأعلى والزاب الأدنى وذيالة، وفيها شط العرب مُلتقى الأنهر، ذلك البحر الفياض المغني بمده وجزره عن وسائل الإرواء.
ذلك قطر قامت فيه بعواصمها أعظم دول العالم في العهد القديم من البابليين إلى الآشوريين، إلى السلوقيين خلفاء الإسكندر، إلى الفرس، إلى فخر دول الإسلام دولة العباسيين.
ذلك هو القطر الذي رغب محمد علي أن يستبدله بمصر وما والاها مما دخل في حيازته من بلاد الدولة العثمانية فلم يفلح.
ذلك هو القطر الذي وقف هيرودوتس أبو التاريخ واجمًا عن وصف تربته وخصبها خوفَ أن تُنسب إليه المغالاة والكذب مهما خفف من الإطراء، ولا غرو فإن جميع الدول التي احتلته كان لها من ورائه الثراء العظيم، وتلك بابل مع زيادة عدد سكانها في إبان عظمتها على خمسة وعشرين مليونًا، وامتلاء خزائنها بالمال من موارد ثروته كان حاصل زراعتها يكفي لمعيشة سكانها ويفيض عن الحاجة فيُصَدَّر مسحونًا إلى سائر البلاد.
وتلك الدولة العباسية العظيمة مع بسط سلطتها على سلطنة لم تكن سلطنة اليونان والرومان بإزائها شيئًا مذكورًا، كان معظم دخلها من السواد وخراجه، وليس السواد إلا قسمًا من هذا القطر.
ثم تطرق إلى المعادن فقال: إن الفحم الحجري وهو من أعظم أركان الثروة موجود في قسمي أوروبا وآسيا، مما بُذلت بعض الهمة في استخراجه كمعادن هركلي، ومما لا يزال مهملًا كمناجم مندلي في ولاية بغداد، ومعادن الرصاص الفضي تستخرج قليلة من الأوروبية، ومثلها معادن الحمر في الأراضي السنية بسوريا، والنحاس في أرغني بولاية ديار بكر، وفي مواضع كثيرة معادن ظاهرة توشك أن تكون مهملة كل الإهمال، ومنها الذهب والفضة والأنتيمون والزرنيخ والسنباذج والزئبق والمنغنيس والحديد والقار الحجري والسائل والكبريت والبورق ومقالع الرخام على اختلاف أنواعه. وليس ببعيد أن يكون فيها منابع بترول غزيرة، فقد شرع منذ نحو خمس وعشرين سنة باستخراجه من ضواحي الإسكندرونة ثم أُهمل لأسباب غامضة. وأما في ولاية بغداد فوجوده محقق إذ يستعمله أهالي مندلي وجوارها بحالته الطبيعية بلا تصفية، وقد كان مدحت باشا اهتم باستخراجه على الطرق الحديثة، فأنفق مبالغ طائلة على بناء معمل في بعقوبة استجلب له الآلات والمهندسين، وحالما بدت بوارق النجاح غادر مدحت الولاية فأُقفل المعمل ولعبت به أيدي الدمار. وأما المياه المعدنية بجميع أنواعها الحارة والباردة فهي مُتفجرة في مواضع كثيرة لا يكاد يلتفت إليها مع ثبوت مضاهاتها لأحسن الأنواع من أمثالها في أوروبا، وهي كثيرة بعضها في أوروبا كمياه بورصة، وبعضها في آسيا كمياه وادي العمق بولاية حلب.
ومن الغريب أن مياه الحمة في فلسطين التي كان يقصدها عظماء أوروبا للاستشفاء وأنشأ فيها قياصرة الرومان حمامات تدل آثارها على عظمة لا مثيل لها في أشباهها بأوروبا، باتت مهملةً لا ينتابها إلا القليلون من أبناء الجوار ممن لا يطيق الانتقال إلى أوروبا.
وأما الملاحات البرية والبحرية فكثيرة جدًّا وبعضها يُستخرج منه الملح بهمة وعناية فينتج دخلًا غير قليل، ولا عجب بتلك العناية الخاصة فإدارة الديون العمومية هي الرقيبة عليها الحافظة لدخلها. ا. هـ.
فإذا عمرت تلك الأراضي الغنية بطبيعتها وكنوزها، وعمرت معها العقول بالتعليم، والأخلاق بالتربية، وعُدِّل النظام في كل جهةٍ طبقًا لأحوالها، وعرف ولاة الأمور كيف يُعالجون السياسة الدولية ريثما يتم الإصلاح، فإن السلطنة تبلغ ما تشاءُ من العمران، وتصبح بإذن الله إنسانَ عين الزمان.
يوسف ف. البستاني
1 رسالة وضعها بعد إعلان الدستور.