أرسلت حكومات صوفيا وبلغراد وأثينا إعلان الحرب إلى معتمديها بالأستانة في السابع عشر من شهر أكتوبر؛ لأنها لم تشأ أن تضيِّع الوقت الثمين بعد أن تم حشد جيوشها. ولما كان الضحى من اليوم التالي؛ أي 18 أكتوبر ذهب المعتمدون البلقانيون إلى وزارة الخارجية العثمانية ورفعوا إليها بلاغ دولهم، وهو يتضمن أن العثمانيين هم الذين أتوا عدة أسباب للعدوان منها الاستيلاء على كثير من البواخر اليونانية، وعلى الذخائر والمعدات الحربية التي كانت مرسلة إلى الصرب، ثم الاعتداء على الحدود البلغارية والحدود الصربية، وخُتم البلاغ بالعبارة الآتية: «نرانا مع الأسف مضطرين إلى تجريد سيوفنا.»
ثم غادر المعتمدون البلقانيون عاصمة السلطنة العثمانية، وظهر في اليوم نفسه منشورات رسمية من ملوك البلغار والصرب واليونان وصفوا فيها حالة «إخوانهم» في مقدونيا وصفًا يُهيِّج العواطف على تركيا، ولقبوا الحرب البلقانية «بالصليبية» ، ثم ظهر منشور من جلالة السلطان يُذَكِّر الجنود العثمانية بمجد آبائها وأجدادها وبشجاعتهم التاريخية، ويحضها على احترام النساء والأطفال وسائر الذين لا يدخلون معمعان الحرب، فكان البون كبيرًا بينه وبين منشورات ملوك البلقان؛ لأن «الخليفة» اجتنب وصف الحرب بالدينية، وإذا كان بعض العصابات الألبانية وغيرها لم يعملوا بوصيته فإنما الجرم يلقى على رءوسهم لا على جلالته.
وقبل إعلان الحرب البلقانية بقليل رأت الحكومة العثمانية أن تفرغ من أمر الحرب الطرابلسية، فقبلت الشروط الأساسية التي طلبتها إيطاليا لتكون مطلقة اليدين حيث يتهددها الخطر الأكبر.
كان إعلان الحرب البلقانية قبل أن يتم حشد الجيش العثماني كما روى الضابط الألماني هوشوختر الذي رافق دولة محمود مختار باشا، ولكن الآمال كانت كبيرة في الأستانة، والمراجع العالية كانت تلتهب شوقًا إلى إظهار قوة الجيش العثماني كما قال أيضًا ذاك الضابط الألماني، ثم إن الجيش نفسه كان يتوق إلى القتال بعد أن وقف أشهرًا عديدة أمام الحرب الطرابلسية وهو لا يستطيع الوصول إلى أولئك الأعداء الذين هجموا على طرابلس، وكل من وقف على الجرائد الأوروبية الكبرى يعلم أن عددًا غير قليلٍ من القواد ولا سيما القواد الألمانيين كانوا يرجحون أن طالع الجيش العثماني سيكون سعيدًا في المعارك المقبلة.
وإذا راجعنا ما كتبه الموسيو استفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في عاصمة السلطنة أيام سفر الجنود العثمانية إلى مواقع القتال، وجدنا ما يدل على هذا الرأي الذي كان شائعًا، قال الكاتب المشار إليه في مؤلَّفه المسمَّى «عند سرير تركيا» : إني سألت الموسيو جورج ريمون الذي كان مع الأتراك في طرابلس عن عددهم هناك، فقال لي: إني أُوكد لك كل التأكيد أنهم لم يكونوا في طرابلس أكثر من 1700 تركي، فعجبنا وأخذنا نتساءل قائلين: «إذا كان 1700 تركي قاوموا مائة ألف رجل طلياني فأي عدد تحتاج إليه الحكومة التركية لقهر 200 ألف بلغاري، ولكن الحرب هي - لفرط الأسف - أبعد شيء عند حساب الحاسبين.»
ثم روى حديثًا يدل على الحالة النفسية التي كانت عليها جنود الرديف، قال: ذهبت إلى مقربة من سان استفانو؛ تلك المدينة الصغيرة التي اكتسبت صفة تاريخية مضاعفة بنزول الجيش الروسي فيها سنة 1878، ثم بدخول الجيش الذي قدم من سلانيك سنة 1909 (لتأييد الدستور) ، فوجدت خمسة عشر ألف جندي عثماني معسكرين، ولما وصلت كانوا جالسين جماعات جماعات على شكل حلقات، بعضها يحيط بضابط يشرح بعض النظريات، والبعض يجهز العدات، وهم عامرو البنيان كبيرو الجثمان كالذين رأيتهم في الأستانة، فدعوت إلى أحدهم بعد استئذان ضابطه وسألْتُه: من أين أنت؟
-من أنقرة (وهي تبعد 500 كيلومتر عن البوسفور) .
-كم يوم قضيتم في السفر إلى هنا؟
-سبعة أيام.
-هل تركت عددًا من الجنود وراءك؟
-ألوفًا كثيرةً.
-كم تقبض من النقود في اليوم؟