فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 121

الشعور بعد الفظائع التي ارتكبتها الجنود البلغارية أيام فشلها ونكوصها. وكان ولاة الأمور وفي مقدمتهم الملك قسطنطين يفرغون جهدًا عظيمًا في إثارة خواطرهم وتوطيد قوتهم المعنوية، وهاك أنموذجًا من خطب صاحب التاج اليوناني، وهو ما قاله قبل معركة قلقيش الكبرى: لا يفوتني أنه منذ عهد الملك كودوروس إلى عهد الملك باليولوغ لم يمت من ملوك اليونان الذين تولوا قيادة الجيوش ملك واحد على سريره وتحت سقف قصره، واعلموا أن المعركة التي سنخوض معمعانها غدًا لهي من أعظم المعارك شأنًا وخطرًا، فأنا أفكر والقلب حزين في أني لن أرى بعدها عددًا منكم، وليس في وسعي أن أصافح كل فرد على حدة، فأكتفي بأن أقول أيها الضباط كونوا على الدوام في مقدمة جنودكم (وهنا التفت إلى ولي العهد وقال له) وأنت كن دائمًا في مقدمة فرقتك.

فأجابه كثير من الضباط هاتفين «إلى الملتقى في العالم الثاني.» وقد دل الإحصاء أخيرًا على أن عدد القتلى من الضباط كان كبيرًا.

وأكد لنا وجيهٌ يوناني أن ضابطًا من أنسبائه كتب إليه من ساحة الحرب أن الموسيو فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية اتفق مع ملك اليونان على توزيع كراسة جامعة لأهم ما ارتكبه البلغاريون في القرى اليونانية من هتك الأعراض وإحراق البيوت والفتك بالأطفال والأبرياء، فكان لهذا العمل تأثير ساحر في نفوس الجنود وغلت صدورهم غلي المرجل حقدًا وسخطًا على البلغاريين حتى إن عشرات منهم انتزعوا بأسنانهم خدود بعض الجنود البلغارية في إبان القتال.

أما خسارة البلغار في قتالهم للصرب واليونان معًا فتربو على ستين ألف رجل. فإذا قدرنا أن خسارتهم في محاربة العثمانيين بلغت تسعين ألفًا في جميع المعارك كان مجموع خسائرهم في الحربين مائة وخمسين ألف رجل لم يذهب منهم أحد إلى ساحة القتال إلا بعد أن شهد له طبيب حكومته بتمام الصحة.

جرى كل ما تقدم في شهر واحد؛ لأن الحرب البلقانية الثانية كانت سريعة مدهشة فلم يكن أحد أن الجيش البلغاري يذوب ذوبان الشمع أمام نيران عدوه، كما أنه لم يكن يظن في الحرب الأولى - إلا القليل - أن الجيش العثماني سيفشل.

دُهش العالم من سرعة فشل الجيش البلغاري أمام الصربيين واليونانيين بعد أن ترامت شهرته وأكبر الناس قوته. ولكن من يرجع إلى أقوال مراسلي التان الحربيين في الجانبين، ويطلع على الأخبار التي ترد تباعًا، تزول دهشته ويعلم أن الأسباب التي أدت إلى فشل الجيش العثماني الشهير بصبره وعزمه وشجاعته هي التي أفضت إلى فشل الجيش البلغاري.

ورأس تلك الأسباب أن القواد البلغاريين بالغوا كما قدمنا في احتقارهم للصربيين واليونانيين وتوهمهم أن الغلبة مضمونة لدولتهم. ومما يُروى أن المعتمد البلغاري في سلانيك كان يقول ويردد: «إن الجيش اليوناني عدم ... » فنشأ عن ذاك الاحتقار أن البلغار لم يأخذوا الأهبة التامة للحرب الثانية، بل أهملوا أمورهم كما أهملها العثمانيون قبل الحرب الأولى.

ومن أسباب فشلهم أن قوادهم وزعوا قواتهم على مسافات طويلة وظنوا أن الاستيلاء على المواقع التي يطمحون إليها سهلٌ هين لشدة غلوهم في احتقار أعدائهم، فكان لفريق القوات البلغارية وطول خطوطها الحربية شؤمًا عليها، فنالها بسببه ما نال الجنود العثمانية التي هاجمت في تراقيه بأمر ناظم باشا قبل أن يتم حشدها ويتم لها العدد والعِدد.

ومنها أن جانبًا كبيرًا من زهرة ضباط البلغار قُتلوا في معارك قرق كليسا ولوله بورغاز وجتالجه، فأصبحوا كالعثمانيين وقت إعلان الحرب الأولى محتاجين أشد احتياج إلى الضباط، ثم نشبت الحرب الثانية وهم على تلك الحال.

ومنها أنهم لم يستعدوا استعدادًا كافيًا لتموين جنودهم قبل زحفها بل كانت إدارتهم العسكرية مختلة كالإدارة العثمانية في أكتوبر سنة 1912، فلم تأتهم الميرة والذخيرة على النظام الواجب في الحروب الحديثة. وإذا كان جيشهم لم يصبه من الجوع ما أصاب الجيش العثماني على وجه عام، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى سرعة نكوصهم وقصر مدة الحرب التي لم تبقَ إلا شهرًا واحدًا.

ومنها أن عددًا كبيرًا من الجنود النظامية المدربة قُتل في محاربة العثمانيين وقام مقامه كثيرٌ من الرديف غير المدرب، وهو لا يصلح للهجوم كما قرر الاختصاصيون.

غَلَت أحقاد البلغاريين في صدورهم من جراء ذاك الفشل الذي أصابهم، فتفجرت غيظًا على أهالي القرى اليونانية، وإذا صدَّقنا جميع الأنباء والشروح التي نشرتها جرائد أوروبا وغيرها، فإن الوحوش الضارية التي يقتلها الجوع لأقل فتكًا وتوحشًا وفظاعةً من البلغاريين، وإليك ما ننقله أولًا عن الموسيو جيسن الكاتب الدينمركي الذي دعاه ملك اليونان للحضور مع الموسيو ألبير ترامبان مراسل الدايلي تلغراف إلى قرية نيجريتا، ليبصرا الفظائع بأعينهما ويأخذا رسوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت