فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 121

الضحايا بالفوتوغراف. فإنه بعد التحقيق كتب إلى عدة جرائد ومنها جريدة التان رسالة أكد فيها حدوث الفظائع، وذكر أنه رأى بعينه الجثث العديدة مطروحة على أنقاض نيجريتا، وأن نحو 1400 بيت ذهبت طعامًا للنيران التي أضرمتها البلغار، وأن رائحة جثث البشر والحيوانات كانت لا تزال متصاعدة يوم وصوله.

ثم روى أنه سأل رجلًا اسمه جورجيوس فلانشوف عما جرى فقال له هذا الرجل بعد أن أقسم بحياة أولاده إنه لا يقول إلا الصدق ولا ينطق بغير الحق: «هربت مع الهاربين لما علمت أن الجنود البلغارية اجتازت الشقة الحرام على بضعة كيلومترات جنوبي المدينة، ولكن هذه الجنود تمكنت من القبض عليَّ وعلى أحد رفاقي ورمت بنا في السجن حيث لقينا رجلًا ثالثًا، فلبثنا في السجن إلى يوم الاثنين ولم يعطنا البلغاريون شيئًا من المأكل والمشرب إلا دفعة واحدة سحابة المدة التي قضيناها، ولما كان يوم الثلاثاء أبصرت من النافذة أن البلغاريين يستعدون لإحراق المنزل الذي كنا فيه، وكان الضباط يصدرون الأوامر للجنود بجلب البترول والهشيم، ثم دخل علينا ضابط وبيده مسدس وتهددنا بالقتل إذا كنا لا ندفع إليه ما حوت جيوبنا، فدفعت إليه اثني عشر دراخمًا، ودفع إليه رفيقي ستة، وقدم الثالث الذي كان معنا اثنين ونصفًا. وبعد خروجه صدر الأمر إلى الجنود بأن تطلق علينا الرصاص من النوافذ، فأطلقوا خمس رصاصات فقتلوا أحدنا وجرحوا الثاني، أما أنا فلم أصب بضرر لأني كنت مختبئًا تحت النافذة. وبعد قليل دخلت الجنود البلغارية فوجدت أن اثنين منا ما برحا في قيد الحياة، فأنحت علينا طعنًا بالحراب حتى قتلت رفيقي وأغمى عليَّ بعد ثلاث طعنات في الفخذ اليمنى. ثم لما عاد إليَّ صوابي شعرت باحتراق في فخذي، فنظرت فإذا الجنود البلغارية قد صبت علينا بترولًا وألهبت النار فأطفأتُها بيدي - وهاك آثار الحريق فيها - ثم فررت من الباب؛ لأن البلغاريين تركوه مفتوحًا، ولجأت إلى اصطبل لم يتناوله لسان النيران، ومن هناك كنت أرى الجنود البلغارية تشعل النار في كل جهة من المدينة، وإني لعلى تلك الحال إذا بانفجارٍ عظيم حدث في المنزل المحترق فهلعت وهربت بالقسر عن جروحي، فرآني بعض الجنود وأطلقوا عليَّ الرصاص فأخطأوني، وما وصلت إلى الربوة القائمة جنوبي المدينة حتى وقعت لا أُبدي حراكًا، ولما أفقت من غيبوبتي وجدتني بين أيدي الجنود اليونانية وهم يعتنون بي كما يعتني الأخ بأخيه. ثم قال بعد هنيهة: «إني فقدت كل ما كنت أملك، وأضعت امرأتي وأولادي، ورأيت جنود البلغار تلطخ عرض أمي بالعار والشنار.»

فبكي الحاضرون لقصته، ثم روى المكاتب فوق ما تقدم أن الذي رآه مع زميله يؤيد رواية جورجيوس المذكور، وأنه زار الغرفة التي سُجن فيها هذا البائس فوجد على أرضها بقايا جثث بشرية. وقدَّر محافظ المدينة أن الذين هلكوا إحراقًا وقتلًا من النساء والأطفال والرجال يبلغون نحو 470 نفسًا.

واتصل بجريدة التان أن الأسقف جوستاف ميشيل رأى بعينه كثيرًا من الفظائع التي ارتكبها البلغاريون، ومما رواه أن جماعة منهم دخلوا قرية كوركوت برئاسة رجل اسمه دونسيوف، فجمعوا الرجال الذين كانوا فيها وأدخلوهم إلى المسجد وأغلقوا عليهم الأبواب، ثم جاءوا بالنسوة وربطوهن حول المسجد ليُشاهدن بأعينهن ما يجري، وبعد قليل رموا بثلاث قذائف من الديناميت فقتلت كثيرًا من الرجال على أن المسجد لم يتهدم، فلما رأوا أنه ما زال قائمًا أضرموا فيه النيران فأحرقوا نحو 700 رجل، وكانوا كلما رأوا أحدًا يحاول الفرار رموه بالرصاص.

ونشرت الفيغارو في 24 يوليو بتوقيع الموسيو جورج بودرون أن هذا المكاتب المعروف والموسيو لابورت مكاتب الألوستراسيون والموسيو لون الذي رافق الجيش اليوناني ومعه قرينته، رأوا شمالي قرية ليفونوفو جثث عدد من أعيان اليونان الذين ساقهم البلغاريون كرهائن من مدينة سرس يوم تقهقرهم عنها مدحورين أمام الجيش اليوناني، فأخذوا الرسوم الفوتوغرافية لتلك الجثث ونشرتها جريدة الألوستراسيون بعد أيام.

وكتب موظف روسي - والروس لا يُتهمون بالتحامل على البلغاريين - فصلًا طويلًا شرح فيه ما سمعه من الأسرى وغيرهم عن فظائع البلغاريين التي يحمى لها أنف أهل النخوة، وتُنزِل مرتكبيها إلى درك الوحوش الضارية.

وأكدت الجرائد اليونانية أن بعض رجال العصابات البلغارية كانوا يقطعون أصابع النساء وآذانهن ليلبسوا الحلي منها، وإن بعض الأصابع البشرية وجدت في جيوبهم مع خواتمها.

وأرسل الموسيو بييرلوتي إلى بعض جرائد لندرا الشهيرة مقالة على أثر تحقيق أجراه بنفسه قال فيها: «إني طفت في جميع أنحاء تراقيه فرأيت أن الفظائع الوحشية التي ارتكبها البلغاريون تفوق كل ما تصورته وتوقعته، فإن تراقيه كلها خضبت بالدماء، وما وقع نظري فيها إلا على جثث أو غربان أو أطلال تدل على القرى التي كانت هناك. وقال لي أناس من الذين نجوا في هالسان: إن البلغاريين اضطروا أسرى الأتراك إلى هدم أعمدة الجوامع بأيديهم وأنذروهم بالقتل طعنًا بالحراب إذا ترددوا في تنفيذ أمرهم، وكانوا يصعدون بضحاياهم إلى أعلى المآذن ويرتكبون معهم فظائع لا يمكن تصديقها، ولقد رأيت بعيني آبارًا مملوءة بجثث النساء والأطفال.»

ثم روى الموسيو لوتي أن البلغاريين كانوا ينوون أن يذبحوا جميع المسلمين في أدرنه، وأن يأمروا الأرمن بذبح اليونانيين، وكان من جملة فظائعهم أنهم قطعوا ذراعي رشيد بك نجل فؤاد باشا المصري وفقأوا عينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت