وبعد أيام حدثت معركة بين الطرادة حميدية وسفن التوربيد البلغارية فأصيبت حميدية بضرر قليل لم يتطلب إصلاحه زمنًا طويلًا، وقد أدت حميدية خدمة حميدة للجيش العثماني؛ لأنها حرست مؤخرة جناحه من الجهة الشمالية.
ولما عقدت الهدنة الأولى في 3 ديسمبر ترك معظم الأسطول العثماني البحر الأسود، وصرف همه إلى بحر الأرخبيل حيث كان الأسطول اليوناني؛ لأن اليونان أبوا الاشتراك في الهدنة.
بينما كان الأسطول العثماني يفعل ما ذكرنا في البحر الأسود وحاصلًا على السيادة البحرية فيه، كان الأسطول اليوناني حاصلًا على السيادة نفسها في بحري الأرخبيل (إيجه) والبحر الأيوني، وقد جعل همه أولًا مساعدة الجيش اليوناني من جهة خليج أرطه (أونارده بالتركية) ومن جهة بريفيزا، وتضييق الحصار على الثغور العثمانية لمنع إرسال الميرة والذخيرة والنجدات من سوريا وغيرها.
وكان في مياه بريفيزا ثلاث مدفعيات عثمانية ضعيفة، فخاف اليونانيون أن تحول دون إرسال المئونة والذخيرة إلى جيشهم في أبيروس فأصدر قائدهم أمرًا بضرب تلك المدفعيات، وفي أوائل نوفمبر تمكنت بعض المدفعيات اليونانية من إغراق اثنتين من المدفعيات العثمانية، وأغرق العثمانيون الثالثة بأيديهم، وما كان التاسع عشر من شهر نوفمبر حتى أعلن اليونان حصار جميع السواحل اليونانية هناك ومنعوا إرسال كل مدد إلى يانيه، وتمكنوا من تعضيد الصربيين بعد وصولهم إلى شواطئ الأدرياتيك.
ثم ذهب الأسطول اليوناني فحصر الدردنيل واحتل عدة جزر هناك، وقبل وصول الجيش اليوناني إلى سلانيك ذهبت إحدى سفنه فأغرقت بارجة عثمانية قديمة كانت تهدد قسمًا من الجيش اليوناني. وفي أواخر شهر نوفمبر احتل اليونان جزر عثمانية أخرى.
وفي 17 ديسمبر خرج الأسطول العثماني من الدردنيل وكان مؤلفًا من طورغود وبارباروسا ومسعودية وعصر توفيق وطراد وعدة سفن للتوربيد، فلحظه الأسطول اليوناني وتقدم نحوه، ولما صار على 12 كيلومترًا أخذ العثمانيون يطلقون النار فقابلهم اليونانيون بالمثل، وظل القتال حامي الوطيس حتى رأى قائد الأسطول العثماني أن الطرادة أفيروف تقدمت من أحد جانبيه، وأنه كاد يصبح بين نارين، فأمر أسطوله بالرجوع إلى الدردنيل، فأبى الأسطول اليوناني أن يلحقه مخافة أن يُستهدف لنيران حصون المضيق.
أما الخسارة فأهم ما يذكر منها ضررٌ بالغ أصاب مرجل المدرعة العثمانية بارباروسا، وضرر خفيف لحق بالطرادة اليونانية أفيروف، وبضعة قتلى وعدد من الجرحى.
ثم جرت بعض أعمال حربية أهمها خروج الطرادة حميدية وتدميرها بعض السفن اليونانية، وإغراقها بعض البواخر التي كانت تقل جنودًا صربية في المياه الألبانية، وكان ربانها البارع ينتقل بها من جهة إلى أخرى في البحر المتوسط ويُشغل أفكار الأسطول اليوناني، فحينًا يأتي بورسعيد وآخر الإسكندرية، وتارة ينتقل إلى حيفا، أو يجتاز قناة السويس إلى البحر الأحمر، وكان أركان حرب الأسطول العثماني يؤملون فيما يظهر أحد غرضين من طواف حميدية، إما أن يحملوا معظم الأسطول اليوناني على مطاردتها، فيخرج حينئذ الأسطول العثماني من الدردنيل ويفتك بالقسم الباقي وبالثغور اليونانية، وإما أن يُلحقوا بأعدائهم ما أمكن من الأضرار إذا أحجم معظم الأسطول اليوناني عن مطاردة حميدية وتركها تطوف في أنحاء البحار، ولكن اليونان اختاروا أن تبقى القوة الكبرى من أسطولهم على مقربة من الدردنيل، وهذا ما أمكن حميدية أن تفتك بعدد من الصربيين وتفعل ما فعلت.
على أن السيادة البحرية في جهات الأرخبيل والبحر المتوسط بقيت حتى النهاية لأسطول اليونان، فنشأ عنها لنكد الدنيا على الأمة العثمانية ضررٌ كثيرٌ وشرٌ كبيرٌ؛ لأن طريق البحر لبث مقفلًا أمام ألوف عديدة من الجنود العثمانية التي كانت مستعدة للسفر في دمشق وبيروت وغيرهما. كما لبثت الأستانة محرومة من إرسال أي شيء يسمى مئونة أو ذخيرة عن طريق الدردنيل.
وبقيت سلانيك وسائر الثغور العثمانية من جهة أخرى متروكة بلا مدد، وأخذ اليونان يرسلون ما أرادوا من المؤن والذخائر والسلاح من طريق البحر إلى جهات يانيا، وغيرها من بلاد أبيروس وإلى الجزائر التي احتلوها.
وربما عجب المطالع من قدرة الأسطول اليوناني على حفظ السيادة البحرية هناك؛ لأن البوارج العثمانية الكبيرة أكثر من البوارج اليونانية، ولكن الاختصاصيين لم ينلهم العجب؛ لأنهم عرفوا الأسطول العثماني أقل من الأسطول اليوناني سرعةً وتجانسًا وتمرنًا.