فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 121

يحاولون الخروج من حلقة الحديد والنار، فأمر زكي باشا قائد الميمنة بالرجوع إلى جهة فلورينا، فتمكنت عدة طوابير وكوكبتان من الفرسان وبطاريتان من الذهاب جنوبًا بفضل الضباب الذي كان كثيفًا قاتمًا، ولكن الفرسان الصربيين ما لبثوا أن شعروا بخروج تلك القوة العثمانية، فهجموا عليها مع قسمٍ من المشاة فحلوا عقدها وأخذوا مدافعها بعد قتال شديد، ثم لقيت بقاياها قوة يونانية فقاتلتها واتجهت نحو مضايق بيروديني.

أما جنود فتحي باشا وجاويد باشا؛ أي جنود القلب والميسرة، فإنها بعد أن قاتلت الصربيين وفشلت في صدهم حاولت أن تتجه نحو رسنه فلم تفلح، لم تشعر إلا وهي عند منحدرات جبال بابا لا تجد منفذًا لدى ميمنة الصربيين التي كانت تحتل الروابي وتهدد كل قوة عثمانية تمر على مرماها، فلما رأت هذا الموقف الحرج اتجه قسم كبير منها إلى الطرق الجبلية هناك ومعها جاويد باشا نفسه، وسلم قسم في مناستر وما جاورها، ولما تم النصر للصربيين أرسلوا قوة متجولة لمطاردة الذين ذهبوا من تلك الطرق الجبلية.

وبلغت خسارة الصربيين في تلك المعركة الكبرى 8000 رجل بين قتلى وجرحى، وخسارة العثمانيين 10000 رجل و 51 مدفعًا منها 39 مدفعًا غنمتهم فرقة واحدة، وعدة آلاف من الأسرى بينهم ثمانية من كبار الضباط، وقد لبث المدفع يُدوي والدم يجري بين العدوين ثلاثة أيام بلياليها لم يسترح فيها المهاجمون ولا العثمانيون، برغم الضباب وكثرة المستنقعات والأوحال.

بعد أن احتل الصربيون مناستر وجهوا النظر إلى ألبانيا، فسيروا فرقة إلى جهة رسنه فوصلتها يوم 21 نوفمبر، ثم زحفت منها إلى أوكريدا (وتسمى أوخرى بالتركية) فبلغتها في 29 منه.

وأرسلوا في ذاك الوقت أيضًا قوة متجولة فقابلتها هناك قوة من الجنود والأهالي الألبانيين، ودار قتالٌ شديد بين الفريقين انتهى بفوز الصربيين، وكانت قوة مختلطة من هؤلاء والجبليين تقاتل بقايا الجنود العثمانية في الجهات الغربية وتحتل المواقع التي في طريقها واحدًا فواحدًا.

وليس لنا مندوحة عن تذكير المطالع هنا بأن الجيش الصربي الرابع لم يكن مع الجنود التي خاضت المعارك المذكورة، فإن القيادة الصربية العامة وكلت إلى هذا الجيش يوم إعلان الحرب أن يزحف أولًا إلى سنجق يني بازار، فيخرج منها الحاميات العثمانية ثم يمدُّ يد المساعدة لجيش الجبل الأسود.

فقسَّم قواته إلى قسمين؛ أولهما: زحف إلى جهة يني بازار، والثاني: قصد سنيجه. فوصل الأول إلى يني بازار في 21 أكتوبر أي بعد إعلان الحرب بثلاثة أيام، فوجد فيها قوة عثمانية مؤلفة من نحو ثلاثة طوابير منظمة وبضعة آلاف من الألبانيين، فقاومت الصربيين ثلاثة أيام برغم مدافعهم الفاتكة ثم سلمت بعد هجمة قوية بالسلاح الأبيض، وقد بلغت خسارتها نحو 300 قتيل و 700 جريح، وبلغت خسارة الصربيين 500 بين قتيل وجريح.

أما القسم الصربي الثاني فقد استولى على ميتروفيتزا في 26 أكتوبر، وسار إلى مدينة إيبك بعد أن احتلها الجبليون بيوم واحد، ثم أخذت الجنود الصربية تحتل المواقع العثمانية بعد معارك صغيرة لا يهمُّ وصفها.

على أن هناك معركة لا بدَّ من ذكرها؛ لأنها أدت إلى مشكلة سياسية كما سترى، وذاك أن قوة من الجيش الصربي الثالث زحفت في 27 أكتوبر جنوبًا إلى جهة بريزراند، فنشب قتال شديد بينها وبين عدد من الجنود العثمانية المنظمة ومن ألبان ليوما، ولما كان 30 أكتوبر دخل الصربيون المدينة فقابلهم عدد من العثمانيين فيها فتصادم الفريقان في الشوارع ثم انتهى القتال بتغلب الصربيين على تلك القوة الصغيرة، وقد حدث في ذاك اليوم أن جماعة من الألبانيين لجئوا إلى القنصلية النمساوية، فما كان من جنود الصرب إلا أن دخلتها بالقوة وذبحت من كان فيها برغم احتجاج الموسيو بروشاسكا قنصل النمسا، وأهانت الشعار النمساوي الذي كان معلقًا بالقنصلية (وسترى في الباب السياسي ما كان من نتائج هذا الحادث) .

ثم ذهب قسم من الجنود الصربية فعضد الجبليين في أخذ دياكوفو يوم 6 نوفمبر، ثم اتجه الصربيون منها ومن بريزرند إلى سواحل الأدرياتيك فاحتلوا دورازو (أو دراج) وغيرها. قال مراسل التيمس: إنهم لقوا في سيرهم مصاعب لا تخطر في بال، فقد اضطروا غير مرة إلى إنهاض المدافع والخيل بأيديهم من الثلج الذي بلغ علوه نحو متر في بعض الأنحاء، كما اضطروا إلى إنقاص قوتهم اليومي؛ لأن الأراضي التي اجتازوها جدبة قاحلة، وكانت درجة البرد 15 تحت الصفر.

ولما بلغوا السواحل، أخذ حلفاؤهم اليونانيون يرسلون إليهم المئونة والذخيرة عن طريق البحر.

1 الكولونل بوكابيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت