فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 121

ولما ذاع خبر رضا الوزارة الاتحادية بكل ما تقدم، أخذنا نسمع همسًا ما يدل على تأهب خصوم الاتحاديين لعمل كبير، وأخذوا ينشرون على صدور الصحف أن تلك الشروط التي رضيت بها وزارة شوكت باشا هي أشد وأثقل على الدولة من الشروط التي رضيت بها الوزارة الكاملية، على أن الاتحاديين يردون على هذا النقد بقولهم: إن الدولة التي تقع في خطر يجب عليها أن تدافع عن نفسها ما دامت تجد للدفاع سبيلًا، حتى إذا فازت استرجعت ما فقد مع الفخر، وإذا فشلت أنقذت شرف سيفها وشهد لها التاريخ بأنها فعلت كل ما استطاعت.

وبعد أيام لا تزيد عن أصابع الكفين طيرت الشركات التلغرافية إلى أنحاء العالم نبأً خطيرًا توقع كثيرون منه شرًّا مستطيرًا، وهو أن جماعة من خصوم الاتحاديين ركبوا أوتوموبيل وباغتوا شوكت باشا الصدر الأعظم في ساحة بايزيد أمام نظارة الحربية، فقتلوه وأحد الضباط رميًا بالرصاص ليثأروا للمرحوم ناظم باشا، فاشتد الخوف وعظم الهرج في دار الملك على أثر هذا الحادث، وأخذت الوزارة تقبض على الذين تتهمهم بتلك الجناية الفظيعة، ثم حاكمتهم في مجلس عرفي رئيسه من صميم الاتحاديين، فحُكم على عشرين بالإعدام، منهم اثنا عشر كانوا تحت يد الحكومة الاتحادية فأعدمتهم شنقًا في ساحة بايزيد حيث قتل شوكت باشا، وكان بينهم صالح باشا أحد أصهار الأسرة السلطانية، أما الثمانية الباقون فقد كان بعضهم مختبئًا والبعض مقيمًا في أوروبا وبينهم الأمير صباح الدين وشريف باشا صاحب جريدة «مشروطية» التي تصدر في باريس، وما ذاع نبأ هذا الحكم الهائل حتى تضاربت الأقوال في موضوعه، فوصفه قوم بالمجزرة البشرية وتوقعوا له مغبة سيئة؛ لأن الشدة تزيد الأحقاد وتدفع الخصوم إلى الانتقام عاجلًا أو آجلًا. وقال آخرون: بل هو عبرة مفيدة لمن تحدثه نفسه بطلب الإصلاح من طريق القتل وسفك الدماء، وعندنا أن جميع العقلاء لا يسعهم أن يجادلوا في وجوب العقاب غير أنه ربما كان من المصلحة والعدل أن يُكتفى بإعدام القاتلين وبتعديل الأحكام على سائر المتهمين.

ولقد أخطأ الذين دبروا تلك المكيدة بظنهم أن مقتل شوكت باشا يسقط الوزارة الاتحادية ويرفع أعداءها إلى كراسيها، فإن الأمن العام بقي وطيدًا في عاصمة السلطنة، ثم رقي فخامة سعيد باشا حليم الذي كان وزيرًا للخارجية إلى مقام الصدارة العظمى، وهو من أكابر أمراء الأسرة الخديوية ومن الذين بذلوا المال والوقت واستهدفوا للخطر في سبيل الدستور العثماني، وهو يعتقد اعتقادًا راسخًا أن جمعية الاتحاد والترقي أقدر من سواها على الحكم.

وكان ممن استوزرهم جلالة السلطان في وزارة الأمير وسليمان أفندي البستاني معرِّب إلياذة هوميروس، وأحد مؤلفي دائرة المعارف البستانية والعضو في مجلس الأعيان، وكان يومئذ في عاصمة الفرنساويين مهتمًّا بقضاء مهمة للدولة وبعيدًا عن مرسح السياسة المحزن الذي تعددت مشاهده في عاصمة السلطنة، فرضي أن يكون وزيرًا للتجارة والزراعة على أمل الإصلاح. وكانت الحكومة العثمانية وقتئذ تفاوض لجنة المؤتمر العربي الذي عُقد في باريس بقصد أن تتفق معه على الإصلاحات المطلوبة، فكانت للبستاني يد بيضاء في تلك المفاوضة كما سترى في باب آخر.

1 من حديث جرى بين السيد علي يوسف وكامل باشا ونشر في المؤيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت