فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 121

الدولة لا تنهض إلا بثلاثة: رجال ومال ووقت، والرجال بالعلم والتربية، والمال بالموارد، فهل ذلك متوفر؟ ولا سيما الوقت وحالنا في الاجتماع كما هي من قلة التكافؤ مع ما هو عليه اليوم من شدة التنازع؟ والجواب على ذلك يدل على المصير.

رأيي أن الدولة لا تنهض من سقطتها ولا تعود إلى سابق مجدها إلا إذا توفر لديها ما يأتي: أولًا: تعميم التعليم في أنحاء البلاد وجعل الأولي منه إجباريًّا.

ثانيًا: إزالة التنافر بين العناصر، ولا يكون ذلك إلا بمنح كل ولاية استقلالًا إداريًّا داخليًّا حتى يعلم كل فرد أن اجتهاده منصرفٌ إلى بلده وإلى نفسه.

ثالثًا: إيجاد الأكفاء من الموظفين؛ إذ بغير شك أن قوانين الدولة عادلة ولكن تنفيذها معدوم.

رابعًا: إصلاح جباية الضرائب بحيث تكون الضرائب متسلطة على الأعيان لا على الحاصلات وتنظيم أوقات تحصيلها.

خامسًا: نزع السياسة من أفكار الجيش.

سادسًا: تعميم اللغة العربية في جميع الولايات وبين المسلمين بنوع أخص؛ وذلك لأن مظهر الدولة إسلامي والقرآن عربي.

الدولة كائن حي يُحفظ وجودها بالسنة التي تُحفظ بها حياة سائر الأحياء، وهي سلامة مزاجها في نفسها ووقايته مما يعدو عليه من الخارج.

فأما سلامة مزاج دولتنا العثمانية في نفسه فإنما يكون بإقامة الشرع العادل في القضية، والمساواة في الحقوق بين الرعية، وبناء إدارة المملكة على أساس اللامركزية، وجعل السلطة العليا شق الأُبلمة بين العنصرين الكبيرين فيها - العرب والترك - بحيث يكونان منها كالعنصرين اللذين يتكون منهما الماء والهواء، وأما وقايتها مما يعدو عليها من الخارج فهو الآن منوط بدول أوروبة الكبرى، فهن أصحاب المطامع فيها ومطامعهن متعارضة، وما دامت كذلك كانت الدولة آمنة على نفسها من اقتسامهن إياها بالقوة، فيجب أن تتقي استيلاءهن على البلاد بقوة المال والسياسة أي بالفتح السلمي، وأن تقوي مزاج الأمة بالمال والعلم وإعدادها للدفاع عن نفسها، فإذا هي فرطت في مرافقها وأملاكها فباعتها للأوروبيين وبقيت على تبذيرها وتوهمها أنها تستطيع أن تحمي نفسها منهن بقوتي الدولة البرية والبحرية الرسميتين، ولم تجعل كل اعتمادها على الأمة فالخطر عليها من الفتح السلمي أقرب وأقوى من خطر الفتح الحربي.

رأيي في إصلاح السلطنة العثمانية أن تُقسم مناطق، وأن تكون كل منطقة مؤلفة من العناصر المتفقة في التقاليد والعادات واللغة، فتُعطى الاستقلال الإداري تبتُّ من أموره كل ما لا يتناول منطقة أخرى أو أكثر من منطقة، ويُعين لكل منطقة مندوب سامٍ يعاونه مجلس إدارة يؤلف من الفنيين في الأمور المالية والإدارية والقضائية والعسكرية، ويُؤخذ للمركز العام جزء معين من دَخْل كل منطقة، وتُلغى الضرائب العشرية، وتُقرر ضرائب ثابتة معينة على الأملاك، وتُوضَع قوانين للشركات على اختلاف أنواعها، ويُوَحَّدُ القضاء فلا يكون من اختصاص رجال الدين إلا الأمور الشخصية، فتكون الدولة مؤلفة من ولايات متحدة أو مناطق متحدة.

ذلك رأيي في إنهاض السلطنة بسرعة.

العلَّة الحقيقية في حال الدولة العثمانية اليوم فقر المملكة واضطراب الحكومة، والحكومة الدستورية في أيدي الأمة، والأمة العثمانية ضعيفة الأخلاق، عريقة في الانقسام بسبب ما توالى عليها من أعصر الفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت