الأمير عزيز باشا هو سليل الأسرة العلوية التي أخرجت قوادًا كبارًا خلَّد التاريخ ذكرهم، وهو معروف منذ غلواء الشباب بالميل إلى الجندية، والغيرة على الدولة العلية، والسخاء على أنصار الدستور العثماني، ومعدود من جملة الضباط الذين درسوا الأصول الحربية درسًا كافيًا في ألمانيا، وأكبر دليل على أن شهرته بقيت كما وصفنا إلى يوم قرق كليسا تعيينه قائدًا لإحدى الفرق العثمانية في ذاك المكان.
لكن شؤم الطالع قضى بالفشل العظيم في قرق كليسا منذ ابتداء الحرب، فأصاب الأمير وفرقته ما أصاب الفرق التي كانت في تلك الجهات، وأجمع الناقدون الحربيون على أن إرسال أدنى طبقات الرديف إلى هناك وقلة عدد الضباط كانا السبب الأكبر في ذاك الحدث الأليم.
ومن حسن طالع بعض كبار الضباط الذين كانوا هناك وفي مقدمتهم محمود مختار باشا أنهم عادوا فجبروا كسر سمعتهم العسكرية في المعارك التالية، فقامت أعمالهم فيها برهانًا دامغًا على أن ما جرى في قرق كليسا من الرعب الغريب الفجائي بين الجنود لا يصح أن يُجعل أساسًا لأحكام عادلة نهائية على كبار الضباط، إذ ليس في وسع ضابط في العالم أن يحرز نصرًا حين يكون معظم جنوده من أناس لم يشتموا رائحة البارود، ولم تكتحل عيونهم بدخانه ولم يتعلموا كيف يضعون الرصاص في بنادقهم.
وعلى ذلك نقول: إن المؤرخ الذي ينشد الحقيقة لا يمكنه أن يصدر حكمًا باتًّا على الأمير عزيز باشا بعد قرق كليسا وحدها، ولا سيما أن هذا القائد الذي خدم الدولة حبًّا في الدولة لا في الراتب الذي أغناه الله عنه، أصيب لسوء طالعه بالدوسنطاريا بعد مصيبة قرق كليسا، فلم يستطع مواصلة الخدمة كغيره، ولقد رأيناه كما رآه سكان القاهرة جلدًا على عظم يوم قدومه للاستشفاء، وشهد الأطباء الذين عالجوه بأن حالته كانت شديدة، وكل إنسان يدرك بالبداهة أن من كان مريضًا لا يمكنه أن يواصل القتال ليعتاض عما أفقدته إياه ظروف قرق كليسا، تلك الظروف التي لم يروِ التاريخ مثلها كما قال محمود مختار باشا.
قلنا إن دولة الأمير عزيز قدم مصر للاستشفاء، وما نفض عنه غبار السفر حتى هرع إليه الصحافيون يرجون محادثته فأبى أن ينبس ببنت شفه؛ لأن الحرب كانت لا تزال قائمة فلا يجوز لضابط كبير لم يستقل ولم يُقل، أن يبحث في الأعمال الحربية. ولما عُقدت معاهدة لندرا قصده واضع هذا الكتاب ورجا من دولته أن يجيبه على بعض أسئلة متعلقة بالحرب، فتكرم بالقبول وإليك الأسئلة وخلاصة أجوبتها. سألناه عن تأليف الجيش العثماني قبل الحرب ويوم إعلانها فقال: إن الحكومة العثمانية غيرت نظام الجيش سنة 1909 - 1910 فبعد أن كان سبعة فيالق (اوردو) وفرقتين مستقلين، جعلته أربعة عشر فيلقًا وعدة فرق مستقلة بعضها في الحجاز والبعض في طرابلس الغرب، ثم في أشقودره ويانيه إلخ. وجعلت كل فرقة مؤلفة من ثلاثة آلايات وفصيلة من النشانجية وعدد من البطاريات، وقررت أن يُزاد عليها وقت الحرب بلوك للهندسة، وكوكبتان من الفرسان وعدد من الباشبزق.
على أن الفيالق لم تتم لسوء الحظ بل كان الطابور في كثير من الأحيان لا يزيد عن 200 رجل، ونزل في بعضها إلى 30 أو 20 رجلًا، ثم أُعلنت الحرب والحال على هذا المنوال في الجهات التي جرت فيها المعارك، وكان معظم الرديف لا يفهم شيئًا من الحركات العسكرية.
فسألناه عن الضباط فقال: إن الحاجة كانت شديدة إلى الضباط، وبعض الطوابير لم يكن معه إلا ثلاثة أو أربعة ضباط، وقلما كنتَ تجد ستة ضباط في طابور واحد مع أن الطابور يحتاج إلى 15 أو 16 ضابطًا، إذا كان 824 بندقية كما يجب أن يكون وقت الحرب، ومما يُذكر هنا أن الحكومة أرادت أن تتم العدد اللازم للطوابير فدعت الطبقات الأولى والثانية والثالثة من الرديف، ومع ذاك كله لم يتم العدد المطلوب، ولم يكن في الطابور إلا نحو 150 رجلًا يعرفون كيف تطلق البنادق، فأحدثت جهالة الرديف وقلة الضباط خللًا كبيرًا.
ثم أفاض دولته في الكلام على الغلطة التي ارتكبتها وزارة مختار باشا بصرفها نحو 184 ألفًا من الجنود قبل إعلان الحرب بأيام قليلة، وقال: إنه لما قطع المتحالفون علاقتهم بالدولة العلية وبدءوا في 18 أكتوبر الماضي بالقتال، صدر الأمر بإتمام الفيالق من الرديف فلم تجد الحكومة إليه سبيلًا. وضرب لنا مثلًا الخلل الذي حدث وقتئذ في ألاي حسن عزت بك، فقال: إن هذا الآلاي سافر يوم صدور الأمر بصرف الجنود، ولما صدر الأمر إلى الرديف بالرجوع قُبيل إعلان الحرب شخَص حسن عزت بك بجنوده، وما وصل إلى مكان الحشد حتى صار عدد آلايه 350 رجلًا فقط؛ لأن كل قائد رآه في