وبعد تلك المعارك وصلت قوة صربية فصار بين الصربيين وحلفائهم خط اتصال، ثم زحف الجبليون والصربيون من إيبك إلى دياكو فاحتلوها بعد معركة لم تبقَ أكثر من بضع ساعات، ثم سارت جنود الجنرال الجبلي إلى أشقودره طبقًا للخطة التي رُسمت لها وتبعها جانب من الصربيين، وسار الجانب الآخر قاصدًا درين وأرض المردَة في ألبانيا.
وهناك تمت المهمة التي انتدب لها الجنرال يانكو فوكوتيش في سنجق يني بازار، فلننظر الآن ما جرى حول بحيرة أشقودره، ثم حول أشقودره نفسها.
كانت حامية توزي في الأسبوعين السابقين لإعلان الحرب مؤلفة من نحو ستة طوابير، فما جاء اليوم السابع من أكتوبر حتى بدأت المعارك بينها وبين الماليسور الموالين للجبليين، ثم زحف الجنرال لازاروفيتش في 9 منه نحو توزي أيضًا، وأطلق الأمير بطرس ابن ملك الجبل أول مدفع عليها والموسيقى تعزف بنشيدهم الوطني.
ثم أخذ الجبليون يتقدمون فاستولوا أولًا على أوائل المرتفعات، ثم مدوا خط هجومهم من الشمال إلى الجنوب، وفي العاشر من أكتوبر استولوا على حصن دتشيتش بعد معركة شديدة استمرت أربع عشرة ساعة وغنموا فيه أربعة مدافع، وفي صباح 13 أكتوبر احتلوا فارنيا بعد أن ضربوها بالمدافع سحابة النهار وهجموا عليها تحت جنح الليل، ثم تمكنوا مع الماليسور من قطع خط الرجعة إلى أشقودره على قسم من الجنود العثمانية، وأسروه في 14 أكتوبر ودخلوا بلدة هيلم في 15 منه. ثم اجتازت فرقتهم الثانية بحيرة أشقودره في أربعة أيام وعسكرت في قوبليق ومنها زحفت إلى جهة أشقودره نفسها لتحصرها.
وبينما كان هذا كله يجري في الجهات الشمالية الشرقية من بحيرة أشقودره كان الجنرال مارتينوفتش ورجاله متجهين نحو طرابوش، فوصلوا إلى جهتها بعد وقعات صغيرة. وفي 11 نوفمبر تقدم ألفٌ منهم ليلًا إلى حصن طرابوش لمفاجأته، فاهتدى العثمانيون إليهم بالمنيرات الكهربائية وسدَّدوا عليهم المدافع والبنادق، فمزقتهم كل ممزق ولم ينجح منهم إلا مائة رجل.1 (3) حصار أشقودره وسقوطها
ولما حل هذا الفشل بالجنرال مارتينوفتش وفرقته، قرر أن طرابوش لا تُؤخذ فجأة كما أراد أولًا، وأن الهجوم عليها يجب أن يكون منظمًا بعد الاستعداد، وهنا يجدر بنا أن نصف للقارئ ذاك الموقع ليدرك أهميته الحربية، قال مراسل الجورنال الحربي: إن طرابوش ربوةٌ علوها 576 مترًا، وجانباها محصنان طبقًا للخطة التي وضعها المارشال فوندر غولتز الألماني، وليس فيها أبراج ولا مشارف حربية، بل هناك خنادق ومراصد على مستوى الأرض تجد فيها سبعين مدفعًا كبيرًا ونحو 100 مدفع من طراز الميتراليوز، وخمسة عشر ألف رجل نحو ثلثهم من الألبانيين المسلمين، ونحو الثلث أيضًا من النظاميين والرديف والباقين من الباشبزق، وجميعهم تحت قيادة أسعد باشا وحسن رضا باشا، أما عدد الجبليين والماليسور الذين كانوا أمامهم فنحو عشرين ألف رجل.
ذلك هو الموقع الذي كان ينشر الرعب ويرسل الموت على خط مستدير يبلغ عشرة كيلومترات من جهة البحيرة والسهل.
وبعد أن أرسل الجبليون ما قدروا على إرساله من مدافع الحصار، أخذوا يهجمون على طرابوش فلم يفلحوا، وكانت الحامية العثمانية تخرج فتقاتل فريقًا من المحاصرين قتالًا مُرًّا ثم تعود. وقد حاول الجبليون أن يهدموا عزيمتها بالوسائل التي استخدمها البلغاريون أولًا مع شكري باشا بطل أدرنه، فأخفقوا سعيًا كما أخفق البلغاريون. قال مراسل الجورنال: إن الملك نقولا رفع العلم الأبيض في 28 أكتوبر، وأرسل مندوبًا إلى قائد العثمانيين ليقول له بالنيابة عنه: «إن مقاومة العثمانيين لجديرة بالإعجاب ولكن جهدكم يذهب أدراج الرياح، إذ لا يمكنكم أن تقاوموا الجوع والزمان، فسلِّموا واعدلوا عن القتال كما فعل إخوانكم في كومانوفو وقرق كليسا.»
فأجاب أسعد باشا: «إن الأمر أمري في القلعة فأنا لا أُسلِّم ما دمت حيًّا ... إن طرابوش أنقذت شرف السيف التركي.»
وحدث يومًا أن حيًّا من مدينة أشقودره رفع الراية البيضاء لشدة ما قاسى من هول القنابل، فما كان من أسعد باشا إلا أن وجه نيران طرابوش على ذاك الحي وضرب الذين ارتكبوا هذا العصيان.
فلما رأى الجبليون والصربيون الذين كانوا معهم أن الحامية العثمانية مُصرة على الدفاع أرادوا أن يأخذوها بالجوع والهجمات المتوالية ولكنهم لم يفلحوا، ولبثت الحامية العثمانية تخرج وتقاتل ثم تعود حتى ألحقت بهم خسائر عظيمة. ومما يُذكر خروجها في 8 و 10 و 11 من ديسمبر وهجومها على سيروكا وأوبليكا، ثم خروجها في أول يناير و 11 منه. ولم