من رام أن يقف على حقيقة تلك الحرب الهائلة ويُدرك أثرها العظيم في الشرق والغرب يلزمه أن يعرف أسبابها وحوادثها ونتائجها، وإنَّا بادئون بذكر تلك الأسباب واحدًا فواحدًا مع الإيجاز، ومعتمدون على نخبة من أقطاب السياسة وصفوة المؤرخين والباحثين في المسألة الشرقية، فإن الحرب البلقانية ليست إلا مشهدًا كبيرًا فاجعًا من رواية تلك المسألة التي تعددت فيها الفصول وأدمت مشاهدها العيون.
يخلق بنا أن نحسب رأس الأسباب ما انطوت عليه الضلوع وغَلت به الصدور من الحقد القديم والضغينة الكامنة بين الأتراك والأمم الأربع المتحالفة، فإن كل أمة منها جعلت تربية الحقد في صدور أبنائها على دولة آل عثمان فرضًا مقدسًا وآية من آيات الوطنية، فإذا ورد ذكر التركي على أحد أساتذتها جعله عنوانًا للظلم، ومثلًا للقسوة، وعدوًا أبديًّا يجب على كل فرد أن يرضع بغضه مع حليب أمه.
انظر إلى اليونانيين تجد الأساتذة والوالدين والوالدات وكل عجوز بالية يرددون ذكر مجدهم القديم، ويعدون التركي مغتصبًا لأرضهم هدَّامًا لدولتهم، هضَّامًا لحقوقهم، ويمزجون ما يحويه تاريخهم من الحقائق الجارحة بخرافات وحكايات نظمها لهم أساتذتهم وشعراؤهم؛ ليُرَبُّوا فيهم كراهة التركي، ويحملوهم على التفكير المستمر في استرجاع ما وقع في قبضته من ملكهم القديم، ويجعلوا طلب الثأر نصب أعينهم إلى أن يأتي وقته. ثم تراهم يهتمون اهتمامًا خاصًّا بأخبار أبطالهم والمنظومات الحماسية لشعرائهم القدماء، وفي طليعتهم هوميروس صاحب الإليالذة الخالدة، ويرددون على الأخص من الحوادث الغابرة قصة يُسمونها حكاية علي باشا في يانيا، فيعزون إليه من الفظائع والأهوال ما يُشيب الطفل في مهده ويُزعج الميت في لحده، وهم يجعلون فيها القطرة بحرًا والصفر سفرًا ويرتبونها كما يشاء الخيال؛ إذ لا يهمهم منها إلا أن تجئ في شكلٍ يُبكي النساء والأطفال ويُثير قلوب الرجال، قال كاتب فرنساوي كبير: «يمكننا أن نقول ولا نخشى الخطأ إن حكاية يانيا حضَّت الأمة اليونانية على الجهد الذي بذلته في الحرب الأخيرة حضًّا كبيرًا وأثرت فيها تأثيرًا شديدًا، فإنك تجد كل قرية وكل دسكرة في الجزر اليونانية تأخذها الرعدة من تذكار يانيا، وترى النساء ينقلن تلك الحكاية إلى أولادهن ويذكرن ما أتته بعض اليونانيات من الأعمال في مجال القتال. وما من أثر أبقى في النفوس وأقوى في القلوب من حكايات وطنية تعيدها الأم وهي جاثية أمام سرير ولدها.»
وأضف إلى حوادث التاريخ القديم والمتوسط حادث الفشل الكبير الذي حلَّ بهم في حرب سنة 1897، فإنهم لبثوا بعدها يتطلعون إلى الثأر واستقدموا جماعة من الضباط الفرنسوييُّن، فنظموا لهم جيشهم وجددوا مدافعهم، وكان يزيدهم حقدًا على حقدٍ أن الحكومة العثمانية ظلت واقفة لدى الحكومة اليونانية ويدها على مقبض السيف؛ لتوقع الرعب في قلبها وتمنعها من ضم جزيرة كريت إلى أملاكها، وكانت جرائد الأستانة تنذر اليونان في كل يوم بالزحف على أثينا إذا قبلوا المندوبين الكريتيين في البرلمان اليوناني كما طلب أهل تلك الجزيرة. وإنا لنرى رأي كبير من العثمانيين في هذا الشأن؛ وهو أن الحكومة العثمانية لم تتبع سياسة الحكمة بإذلالها اليونان تكرارًا بعد أن قهرتهم في ساحة القتال، فإنها لو سارت معهم على منهج المجاملة منذ شعرت بالشر المضمر في قلوب الصرب والبلغار، لكان في وسعها أن تحول دون انضمامهم إلى التحالف البلقاني، ولكن شاء سوء الطالع أن تكون جميع الظروف مفضيةً إلى تفاقم ذاك الحقد القديم بدلًا من تخفيفه وتلطيفه.
وإذا رجعنا إلى تاريخ البلغاريين وجدنا أن الحقد ينمو في قلوبهم منذ سنة 1393؛ أي السنة التي سقطت فيها الدولة البلغارية في قبضة تركيا، وإذا أراد القارئ أن يعرف مبلغ بُغضهم للتركي - وكل موظف عثماني هو تركي عندهم - فحسبه أن يقرأ شيئًا مما يلقونه على أولادهم أو يسمع ما يقوله الشيوخ والعجائز منهم. ذكر لي صديقي حقي بك العظم أنه زار صوفيا عاصمة البلغار منذ بضعة أعوام، وذهب يومًا مع نسيب له (كان معتمدًا عثمانيًّا ساميًّا) في مركبة الوكالة العثمانية إلى بعض أحياء المدينة، وبينما كانا مارين أمام بيت إحدى العجائز، خرجت وبيدها قِدْر من الأقذار المختلفة وقذفت به على طربوشيهما وملابسهما العثمانية.
وليس يدلنا على اعتنائهم الشديد بتربية الحقد على الأتراك وزيادة النفور منهم مثل أمر مأثور: وهو أنهم تركوا محلةً صغيرة في عاصمتهم على أسوأ حال لتكون عبرة لكل بلغاري، فيتذكر على الدوام ما كانت عليه بلادهم في عهد الحكم التركي، والواقع أن تاريخ البلغار (منذ سقوط دولتهم سنة 1393 إلى سنة 1877) كان تاريخ ذل وهوان، فإنهم كانوا أرقاء تلعب الأكف التركية في رقابهم، وإذا شكوا حكمت السيوف في هاماتهم ولبثوا سنوات عديدة على أثر سقوط ملكهم يحسبون الأتراك من محتد أشرف من محتدهم حتى صحت فيهم حكمة القائل: «إن الاستعباد يُفقد الشعوب نصف فضيلة الرجولية.»